أكادير بريس – بعد أيام قليلة من تعيينها رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الفريق الحكومي الجديد، تجد فاطمة الزهراء المنصوري أمام أجندة حافلة بملفات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية لا تنتظر اكتمال المفاوضات السياسية.
وتتقدم هذه الملفات مشروع مالية 2027، وتمويل الدولة الاجتماعية، والتشغيل، والماء، والصحة، والتعليم، والطاقة، والاستثمارات المرتبطة بمونديال 2030، إلى جانب عدد من الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية التي ستنتقل إلى طاولة الحكومة الجديدة.
وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية مع انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة بعد الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، في وقت بدأت فيه المنصوري مشاوراتها لتشكيل الأغلبية الحكومية. كما أن البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقوده المنصوري، يتضمن خمسة مواثيق و20 التزاماً قابلاً للقياس، بكلفة إضافية مقدرة بـ350 مليار درهم خلال الفترة 2027-2031.
ميزانية 2027.. أول اختبار مالي
سيكون إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 من أبرز الملفات التي ستصل سريعاً إلى الحكومة الجديدة، خصوصاً أن عدداً من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية التي أعلن عنها حزب الأصالة والمعاصرة تحتاج إلى موارد مالية وآليات واضحة للتمويل.
ويطرح البرنامج المعلن للحزب التزامات في القدرة الشرائية والإدماج الاقتصادي للشباب والخدمات الاجتماعية، ضمن أغلفة مالية تصل في مجموعها إلى 350 مليار درهم إضافية على مدى خمس سنوات، مع استهداف متوسط نمو سنوي في حدود 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031.
وتبرز هنا معادلة الحفاظ على التوازنات المالية، بالتوازي مع تمويل الإصلاحات الاجتماعية والاستثمارات العمومية، باعتبارها واحدة من القضايا التي ستواجه الحكومة منذ بداية ولايتها.
التشغيل والقدرة الشرائية في الواجهة
يأتي التشغيل في صدارة الملفات الاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب.
ويضع برنامج الأصالة والمعاصرة هدف خلق مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية الممتدة إلى 2031، من بينها وظائف في الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة والأنشطة المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، مع هدف خفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بحلول 2031.
كما يتضمن البرنامج إجراءات مرتبطة بالقدرة الشرائية، من بينها مراجعة منظومة الضريبة على الدخل، ورفع الحد الأدنى للمعاشات، وتوسيع الدعم الاجتماعي المباشر، وهي التزامات ستحتاج، في حال إدراجها ضمن البرنامج الحكومي، إلى ترجمة مالية وتشريعية واضحة.
الصحة والتغطية الاجتماعية
يشكل إصلاح القطاع الصحي واستدامة التمويل الصحي ملفاً آخر أمام الحكومة الجديدة.
ويقترح البرنامج المعلن تخصيص 100 مليار درهم لميثاق المواطنة، الذي يشمل الصحة والتعليم والسكن والخدمات الرقمية، مع التزام بتأهيل عدد كبير من مؤسسات الرعاية الصحية والمستشفيات، وإنشاء أربعة مستشفيات جامعية جهوية جديدة قبل نهاية 2028.
كما يطرح البرنامج إصلاحاً لاستدامة التأمين الإجباري عن المرض انطلاقاً من ميزانية 2027، في ظل توقعات بعجز يصل، وفق البرنامج، إلى 33 مليار درهم بحلول 2030.
التعليم.. مواصلة الإصلاح
في التعليم، ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام ضرورة مواصلة الأوراش المفتوحة، وفي مقدمتها إصلاح المدرسة العمومية وتوسيع برامج التعليم الأولي وتحسين ظروف التمدرس.
ويتضمن برنامج حزب الأصالة والمعاصرة مجموعة من المقترحات، بينها تعميم التعليم الأولي ابتداء من سن الرابعة، وتوسيع النقل المدرسي في العالم القروي، ودعم التغذية المدرسية بالمناطق الهشة، إلى جانب إعادة هيكلة بعض مسارات التعليم والتكوين.
وتأتي هذه الالتزامات في سياق إصلاحات كانت الحكومة السابقة قد شرعت فيها، من بينها مشروع مدارس الريادة، الذي يشكل أحد محاور إصلاح التعليم العمومي.
الماء.. تحدٍ استراتيجي
يبقى الإجهاد المائي من أكثر الملفات إلحاحاً، خصوصاً مع استمرار الضغط على الموارد المائية والحاجة إلى تسريع مشاريع تعبئة المياه وتحلية مياه البحر وربط الأحواض.
ويضع البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة ضمن محور الأمن الاستراتيجي خطة لبناء نحو 400 منشأة مائية، وإنجاز ست محطات لتحلية مياه البحر، بما يرفع الإنتاج إلى أكثر من 1.8 مليار متر مكعب بحلول 2031، إلى جانب توسيع تقنيات الري المقتصد للمياه.
وتضاف إلى ذلك المشاريع التي سبق إطلاقها في إطار السياسة الوطنية للماء، ما يجعل سرعة الإنجاز والتنسيق بين القطاعات من الملفات التي ستواجه الحكومة الجديدة.
الطاقة.. بين الأمن والانتقال
في قطاع الطاقة، تطرح الحكومة المقبلة سؤال تأمين الإمدادات ومواصلة تطوير الطاقات المتجددة، بالتوازي مع تقليص تبعية الاقتصاد الوطني لتقلبات الأسواق الخارجية.
ويستهدف البرنامج المعلن رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة من استهلاك الكهرباء، مع تعزيز مخزونات الوقود وتطوير البنية المرتبطة بالأمن الطاقي.
مونديال 2030.. سباق مع الزمن
يشكل التحضير لكأس العالم 2030 أحد أكبر الأوراش التي ستتطلب تنسيقاً حكومياً واسعاً، بالنظر إلى ارتباطه بالبنيات الرياضية والنقل والفنادق والخدمات والتجهيزات الحضرية.
كما يربط البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة بين تنظيم المونديال وخلق فرص الشغل، إذ يضع هدفاً يصل إلى 360 ألف منصب شغل مرتبطاً بالحدث الرياضي والأنشطة المصاحبة له بين 2026 و2031.
وبالتالي، لن يرتبط التحدي فقط بإنجاز المنشآت، وإنما أيضاً بمدى قدرة الاستثمارات المرتبطة بالمونديال على خلق آثار اقتصادية واجتماعية مستدامة.
النزاهة والإصلاحات التشريعية
إلى جانب الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، ستواجه الحكومة ملفات ذات طبيعة مؤسساتية وتشريعية، من بينها مواصلة إصلاح منظومة النزاهة والحكامة، إلى جانب القوانين التي كانت موضع نقاش خلال الولاية السابقة.
وتدخل هذه الملفات ضمن ورش تشريعي أوسع، ستتضح أولوياته النهائية مع تشكيل الحكومة وعرض برنامجها أمام البرلمان.
كما تظل مدونة الأسرة والقانون الجنائي من الملفات التي يمكن أن تحظى بالنقاش خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى ما تثيره من نقاشات قانونية ومجتمعية، على أن تحدد الحكومة والبرلمان مساراتها ومضامينها وفق الإجراءات الدستورية والتشريعية.
الحكومة الجديدة أمام اختبار التنفيذ
وبينما تتواصل مشاورات تشكيل الأغلبية، لا تتوقف الملفات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية في انتظار الإعلان عن التركيبة الحكومية.
فالمنصوري تواجه، منذ بداية ولايتها، أجندة تجمع بين تمويل الالتزامات الاجتماعية، خلق فرص الشغل، إصلاح الصحة والتعليم، تدبير أزمة الماء، تعزيز الأمن الطاقي، وتسريع الاستعدادات لمونديال 2030، إلى جانب الملفات التشريعية والمؤسساتية.
وتبقى الأولوية العملية خلال المرحلة المقبلة مرتبطة بما سيظهر في البرنامج الحكومي ومشروع مالية 2027، باعتبارهما من أبرز الأدوات التي ستترجم توجهات الأغلبية الجديدة إلى إجراءات وأرقام وآجال تنفيذ.
