فوضى الباعة الجائلين تبدد هدوء بني ملال
في مشهد درامي بات يتكرر يوميا، تعيش شوارع المدينة القديمة في عاصمة جهة بني ملال خنيفرة على إيقاع أصوات الباعة الجائلين، الذين حوّلوا تلك الشوارع إلى سوق تجاري مفتوح؛ ما عكر صفو أصحاب التجارة المنظمة بالمدينة.!
بشارعي باب مراكش وأحمد الحنصالي يُخيّل إلى الزائر حين يرى المشهد وكأنه في سوق عشوائي؛ لكن سرعان ما يكتشف أنه في القلب النابض للمدينة، حيث لا تزال البنايات تشهد على تاريخ المدينة المشرق، قبل أن تطالها الفوضى ويحل اللا أمن مكان السكينة والهدوء.
وبمحاذاة ساحة المسيرة التي زادت شهرة مع احتجاجات الأساتذة المفروض عليهم التعاقد وحاملي الشهادات المعطلين، ينتشر أصحاب العصائر وبائعو المأكولات الخفيفة، وتتوافد العربات المجرورة للملابس الجديدة والمستعملة على شارع باب مراكش؛ فيما تبقى دكاكين التجار محتشمة في الخلف.
أحيانا يجد الزبائن صعوبة في الولوج إلى المحلات التجارية بسبب الفوضى والحاجة إلى استغلال كل شبر من الرصيف.
وفي فترة المساء، تشتد زحمة الاكتظاظ وتزداد مشاكلها؛ ما يفقد المدينة هدوءها وجماليتها، وتزداد محنة الزوار والعابرين للشارع.
المدينة القديمة.. فوضى الحاضر تبدد هدوء الماضي
يحكي عبد العزيز ماضي، الكاتب العام لجمعية الأمل الجديد لتجار بني ملال، لهسبريس، أن “باب مراكش كان، منذ زمن طويل، القلب النابض للمدينة.. وأنه كان ملتقى محوريا لأصناف متعددة من التجارة؛ لكنه اليوم أصبح عنوانا للفوضى، ولم يعد جديرا بالثقة بعدما استعصى على الجهات المعنية إعادة الأمور إلى سابق عهدها”.
وأضاف المتحدث ذاته: “هذا الوضع يؤثر على مدخولنا نحن كتجار منظمين، بعدما فقدنا كل زبنائنا بسبب الباعة الجائلين أو ما يسمى بالفراشة”، مؤكدا أن “من التجار من لم يتمكن خلال أربعة أيام من الحصول على درهم واحد، هذا في الوقت الذي أصبح فيه الكل تقريبا ملزما بأداء واجبات الضريبة المهنية الموحدة كل عام”.
ويكمل تاجر آخر الحديث بالتأكيد على أن العشرات من التجار باتوا قاب قوسين من الإفلاس، والبعض منهم أغلق محلاته، والآخرين يعجزون عن أداء ما بذمتهم من ضرائب، مُردفا: “علاش أحنا أصلا غادي نخلصو الضرائب والدولة ما قدّاش تحمينا.. في الواقع راه الكثير منّا ما بقا عندو مدخول لي يكفي معيشة أولادو”.
ويستطرد التاجر ذاته في حديثه: “الآن لم يجد التجار بُدا من الاحتجاج من خلال وضع لافتات بها عبارات منددة بالوضع لتنبيه المسؤولين إلى الفوضى التي تعرفها المدينة، ومن أجل التأكيد على أن مطلب التجار بشأن الحد من الظاهرة لا يزال قائما ولا يحتاج إلى أية هدنة”.
وبدورها، أوضحت الحمد للاشريفة، رئيسة جمعية الأمل الجديد لتجار بني ملال، أن التجار يطالبون بتحويل الفراشة إلى المحلات التي جرى إحداثها لهذا الغرض من طرف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بكل من شارع البارودي ودمشق، والتي تقدر بحوالي 700 محل تجاري، داعية السلطات إلى التعامل بصرامة مع المستفيدين في هذا الشأن.
الباعة الجائلون.. نرحب بالبديل لضمان لقمة العيش
أجمع باعة جائلون، في تصريحات متطابقة لجريدة هسبريس، على أنهم يرحبون بأية مبادرة من السلطات وأن همهم الوحيد هو ضمان لقمة عيش كريم لأسرهم، مؤكدين أنهم غير راضين عن الوضع؛ لكنهم في غياب أوراش تنموية كفيلة باحتضانهم تبقى تجارة الشارع هي الخيار الوحيد لمواجهة حاجيات الزمن القاسي.
قال أحد الباعة الجائلين لجريدة هسبريس الإلكترونية: “ما نقاسي منه كل يوم يتجاوز معاناة التجار ألف مرة.. نحن في ظل الحملات المباغتة للقوات العمومية والأمن، نجد أنفسنا مطالبين بحماية بضاعتنا من الحجز ومن المصادرة، على الرغم من أننا نملك ما يملكه غيرنا من المواطنين من الحقوق (…) الفرق بيننا هو أنهم يديرون تجارتهم في المحلات ونحن ندبرها في الشارع تحت قساوة الطبيعة”.
وأضاف المتحدث ذاته: “على الدولة أن تعلم أننا لا نتعاطى للمخدرات ولا للكحول، وأن همّنا ينحصر في ضمان لقمة عيش لأسرنا، لا سيما في ظل هذه الوضعية التي يعيشها المجتمع ككل جراء تفشي جائحة كورونا”، مشيرا إلى أن “محلات المبادرة جرى منحها لأشخاص لا يستحقونها، ومنهم من باع هذه المحلات”.
وبدوره، طالب شاب ثلاثيني الدولة بفتح الحوار مع الفراشة لإيجاد حل للباعة الجائلين من خلال تنزيل أوراش تنموية قادرة على امتصاص البطالة المتفشية في صفوف الشباب، مشيرا إلى أنه مهما امتلكت السلطات الإقليمية من حلول سحرية لا يمكن لها أن تواكب العدد المتزايد سنويا في صفوف العاطلين.
وقال الشاب ذاته في حديثه لهسبريس، ‘‘إذا كان تجار المحلات يؤدون ضريبة للدولة جراء ما يحصّلونه من أرباح، فإن الفراشة يؤدون يوميا ضرائب متعددة نتيجة عدم تكافؤ الفرص وغياب فرص الشغل واستفحال الفقر؛ ما قادهم إلى الشارع عوض نيل حقهم في الشغل وفق ما يخوله منطوق الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان للفرد داخل المجتمع”.
المجلس الجماعي يساند التجارة المنظمة
من جهته، أكد أحمد بدرة، رئيس الجماعة الترابية لبني ملال، في تصريحه لهسبريس، أن ما تشهده المدينة على هذا المستوى لا يختلف كثيرا عما تعرفه باقي مدن المملكة، مشيرا إلى أن ظاهرة الباعة الجائلين هي نتيجة فترة الربيع العربي، ومؤكدا أنه يساند التجارة المنظمة لأنها تساهم في اقتصاد الدولة وتوفر مداخيل مهمة للمجلس.
وعبر المسؤول الجماعي عن رفضه لما تعيشه المدينة من فوضى، قائلا إن السلطات الإقليمية والمجلس الجماعي يقومان بمجهودات جبارة للحد من الظاهرة عبر توفير حلول في حدود الإمكانات المتوفرة دون أن يعني ذلك أن بإمكانها حل معضلة البطالة، مذكرا بأن المجلس السابق سبق أن قام بمبادرة مهمة استفاد منها العشرات من الباعة في سويقة تمكنونت.
سلطات الولاية تحاور
أفادت مصادر هسبريس بأن الخطيب لهبيل، والي جهة بني ملال خنيفرة، عقد، الخميس 23 دجنبر الجاري، اجتماعا مع أرباب المحلات التجارية، واستمع خلاله لكل المطالب المطروحة، دون أن تفصح المصادر عما انتهى به اللقاء.