سنة في أعقاب "أزمة العرجة" .. الفلاحون بين بداية جديدة وحسرة وهجرة

سنة في أعقاب "أزمة العرجة" .. الفلاحون بين بداية جديدة وحسرة وهجرة

 سنة في أعقاب "أزمة العرجة" .. الفلاحون بين بداية جديدة وحسرة وهجرة

لم تتمكن الجزائر وهي تطرد الفلاحين من أراض شغلوها واشتغلوا فيها لعقود من أن تمحو ذاكرتهم التي ما تزال تحتفظ بمشاهد الواحة ونخيلها وتمورها، كما لا يزال صوت حفيف أشجارها يسكن آذانهم.

اليوم، وبعد عام وبضعة أيام على إقدام العسكر الجزائري على دخول ضيعات العرجة (5 كيلومترات على مدينة فكيك-شرق المغرب)، يطبع الواحة السكون؛ فالفلاحون تقبلوا الأمر الواقع واستجابوا للسلطات المغربية ورحلوا تاركين وراءهم كل حبة تمر أنتجوها بعرق جبينهم طيلة الأعوام الماضية.

وإذا كان فلاحو المنطقة مازالوا يحتفظون بوثائق ملكيتهم لأراضي العرجة، بغض النظر عن اتفاقية الحدود مع الجزائر سنة 1972 التي ضمتها لهذه الأخيرة، فإن بعضهم قد قرر البدء من جديد في أراض متفرقة من “عرجة ما قبل الوادي”، وفق ما عاينته جريدة هسبريس خلال جولة في المنطقة.

“العرجة تحت فكيك”
“أنا فاش كانكون نازل من هذاك الجبل يوميا كنبقى نشوف فبلادي لي مشاتلي”، يقول أحد الفلاحين الذي قابلناه في ضيعته ذات الغرس الحديث، اختار عدم ذكر اسمه، قبل أن يستطرد: “دابا صافي اقتنعت بلي الخليفة على الله”.

وبحسرة، عدد الرجل خلال حديثه إلى هسبريس عدد نخلاته وأنواع التمور التي كانت تنتجها، وأهمها “أزيزا”، أحد أجود وأشهر وأغلى أنواع التمور بالمنطقة.

فلاحون آخرون اختاروا، حسب ما استقيناه من معطيات، الهجرة نحو مدينة وجدة وغيرها من المدن المغربية، تاركين مضطرين فلاحة الواحات التي ورثوها عن أجدادهم ووجدوا أنفسهم بعد فقدانها لا يتقنون غيرها.

“التاريخ يعيد نفسه”
مصطفى، أحد أقدم فلاحي واحات فجيج، قال إن حجم الأراضي والنخيل التي حرمت منها الجزائر فلاحي العرجة، لا يُمكن مقارنته بحجم ما خسره فلاحو “زوزفانة” في سنة 1975، حين قررت الجزائر طرد الفلاحين المغاربة من ضيعات تضم حوالي 700 ألف شجرة نخيل رداً على المسيرة الخضراء نحو الصحراء المغربية.

وأضاف مصطفى ضمن تصريح لهسبريس: “أنا براسي مشاتلي خمسة ديال الجنينات في زوزفانة”، وأكد توفره على ملكية الأراضي المعنية تعود إلى حوالي 150 سنة؛ إذ دأب آباؤه وأجداده على استغلالها قبل أن يرثها عنهم.

ولفت المتحدث إلى أن مجموعة من المقاومين الجزائريين كانوا يقطنون-قبل “موقعة زوزفانة”-في فجيج، حيث كانوا ينتظرون حلول الظلام ليشنوا منها هجماتهم على المستعمر الفرنسي.

وظل الفجيجيون أو “الفاكيك”، وفق مصطفى، يشتغلون في أراضي “وادي زوزفانة وتمغروت وتيط تاوراغت” -بعد استقلال الجزائر سنة 1962-إلى غاية عام 1975.

الجفاف يعمق الأزمة
وإذا كان الفعل الذي أقدمت عليه السلطات الجزائرية بطردها فلاحي العرجة قد أزم وضعيتهم، فإن الجفاف الذي تعرفه بعض مناطقها قد عمق هذه الأزمة أكثر.

وتعيش بعض أراضي العرجة جفافا على مستوى الفرشة المائية، حسب ما أكده السالمي المصطفى، أحد فلاحي المنطقة، في حديث إلى هسبريس، ما تسبب في تضرر أشجار النخيل المغروسة بها المعتمد في سقيها على الآبار.

وقال السالمي: “منذ شهر نونبر الماضي إلى اليوم، نواجه مشكل نقص مياه السقي”، ودعا، في هذا السياق، إلى ربط أراضيهم بقنوات الري انطلاقا من أحد السدود الحديثة بالمنطقة.

وفي 18 مارس 2021، أقدمت السلطات الجزائرية على تجريد مجموعة من المزارعين من حوالي 70 ألف شجرة نخيل، بعد أن أمهلتهم شفهيا أسبوعا لمغادرة الأراضي التي تسميها “العروضة”.

أياما بعد ذلك، فتحت السلطات المغربية حوارات مع ممثلي الفلاحين المتضررين، أسفرت بعد حوالي 3 أشهر عن مجموعة من “الإعانات المالية” بحسب عدد ونوعية النخل الذي كان يملكه كل فلاح، لكن ذلك لم ينسهم ذكريات أرض توارثوها أبا عن جد.