جدوى إصدار 12 مؤسسة دستورية لتقارير سنوية حول التعليم الإعلام يتناولها بـ«إثارة» والوزارة تتعامل معها على أنها «استشارة»

جدوى إصدار 12 مؤسسة دستورية لتقارير سنوية حول التعليم الإعلام يتناولها بـ«إثارة» والوزارة تتعامل معها على أنها «استشارة»

 جدوى إصدار 12 مؤسسة دستورية لتقارير سنوية حول التعليم

الإعلام يتناولها بـ«إثارة» والوزارة تتعامل معها على أنها «استشارة»

تشمل لائحة المؤسسات الدستورية بالمغرب 18 مؤسسة دستورية موزعة حسب الاختصاص إلى 6 هيئات، منها مؤسسات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومنها أيضا مؤسسات تنضوي ضمن هيئات تقع مهام تقويم وإبداء الرأي في قطاع التعليم ضمن صلاحياتها الدستورية. لذلك لا تخلو تقاريرها السنوية أو الدورية من تشخيص لواقع التعليم المغربي. المشكلة لا تتعلق بالمنهجيات المعتمدة في صياغة هذه التقارير، ولكن بمآلها، أي بتأثيرها على القرارات التعليمية، حيث يكاد يكون تجاوب مسؤولي الوزارة مع ملاحظاتها ومقترحاتها منعدما، والجواب الدائم الذي يتم تقديمه لتبرير هذه السلبية في التجاوب معها هو أن المؤسسات المعنية لها صفة استشارية ولا سلطة تقريرية لها، وهنا يظهر الضعف الحقيقي للبرلمان.
إعداد :مصطفى مورادي

تقارير بأية جدوى؟

دأبت 12 مؤسسة دستورية على أن تصدر تقارير سنوية أو دورية تُفردها لمجال التعليم، أو تُضمنها هذا المجال الذي حقق الإجماع على كونه أسبقية وطنية بعد أسبقية الوحدة الترابية للمملكة.

طرح سؤال جدوى هذه التقارير وتأثيرها يأتي في سياق المشاورات التي تنظمها وزارة التربية الوطنية، بتنسيق مع وزارة الداخلية، حول المدرسة المغربية، والتي أعلنت كغاية لها، توحيد الرؤى حول ما تقترحه وزارة التعليم كـ«أرضية» لصياغة الأوراش ذات الأولوية، حيث يتم تجميع فاعلين كثر من مختلف الحساسيات والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية للحديث في موضوع كيفية إخراج المدرسة من أزمتها. طبيعة المداولات وجودة الأفكار المقترحة، حسب متابعة أجرتها جريدة «الأخبار» بشكل حضوري لوقائع مشاورتين، تؤكد أن كل المناقشات لم تخرج من إطار التشخيصات المعتادة والتي يعرفها الجميع عن أزمة التعليم المغربي، وخصوصا أزمة التعلمات والحكامة وتكوين الأساتذة والاكتظاظ.

بعيدا عن الطابع الرسمي للتقارير التي ستتم كتابتها على هامش هذه المشاورات، فإن مضمونها لن يخرج عن ما أكدته تقارير رسمية صادرة عن مؤسسات سامية تحظى بوضع دستوري اعتباري، وعلى رأسها المجلس الأعلى للتربية والتكوين، والذي أشرنا إليه في وقت سابق، عندما تحدثنا عن تجميد أجهزته للسنة الثالثة على التوالي دون تقديم جواب موضوعي حول ذلك، وأيضا مؤسسات دستورية أخرى، من قبيل المجلس الأعلى للحسابات، الذي يقع ضمن المؤسسات الدستورية ذات الطابع القضائي.

فرغم هوية هذه الهيئة وهوية الذين أنجزوا تقاريرها حول التعليم، يلاحظ أن تجاوب مسؤولي قطاع التعليم يظل رمزيا، لا يتجاوز حدود حضور ممثل عن الوزارة في لقاءات عرض النتائج. لتتحول هذه التقارير، كباقي تقارير المؤسسات الدستورية الأخرى، إلى مادة للاستهلاك الإعلامي دون أن يؤخذ بها في سلسلة القرارات التعليمية التي تتخذ في القطاع، تحت مسمى أن الصفة القانونية لهذه المؤسسات، كمؤسسات استشارية، لا تمنحها أي امتيازات تجبر المسؤولين على الأخذ بها، بل إنهم، وحسب مصادر موثوقة، لا يقرؤون هذه التقارير إطلاقا، مكتفين بتعليقات شخصية تسخر منها.

يتعلق الأمر بتقارير تنجز باسم الدولة المغربية، ويتقاضى الخبراء الذين أنجزوها تعويضاتهم من المال العام، ومع ذلك لا تأثير لها إطلاقا، وإلا لما احتاجت الوزارة الآن لتضييع الوقت في افتحاصات جديدة حول أزمة التعليم على بعد أسابيع فقط من تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان يتحدث فيه عن نتائج هذه المشاورات نفسها.

 

معضلة قانونية والحاجة للالتقائية مرة أخرى

مناسبة طرح سؤال جدوى تقارير  المؤسسات الدستورية 12 التي تنجز حول التعليم هي أيضا جدوى فتح مشاورات موسعة، علما أن النتائج الأولية التي تم تضمينها في التقارير الرسمية حول هذه المشاورات تقر بنفس ما قالته هذه التقارير، أي سيتم اعتماد ممولي حفلات بعشرات الملايين من السنتيمات لإطعام وإيواء أشخاص، من مختلف الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية، ليقولوا في أزمات التعليم المغربي نفس ما قالته مرارا تقارير 12 مؤسسة دستورية هذه السنة، بل إن بعضهم، حسب ما عاينته الجريدة، لا يخفي أن الدافع الحقيقي وراء مشاركته في هذه المشاورات حول مجاملة مسؤولي العمالة والولاية الذين اتصلوا به، وبالتالي الحفاظ على أواصر المصلحة بينهم وبين رؤساء مصالح وأقسام العمالات.

علاقة تقارير المؤسسات الدستورية بالقرارات والسياسات العمومية تبقى موضوعا إشكاليا، وخاصة من الناحية القانونية. فمن حيث المبدأ تمت صيانة الاستقلالية الإدارية لكل هذه المؤسسات عن الفاعل الحكومي ومن ثمة السياسي لضمان الموضوعية في مختلف التقارير التي تصدر عنها، بحيث يمكن أن تؤدي أية تبعية إلى مجاملات تحيد عن الحقيقة، لكن هذه الاستقلالية تخلق أنماطا من العلاقات يصبح فيها الفاعل الحكومي غير مجبر على التجاوب مع ملاحظات ومقترحات هذه المؤسسات تحت مسمى كونها «استشارية» فقط، وبالتالي لا سلطة لها عليه، اللهم إلا القليل من الضغط الإعلامي الموسوم بالظرفية، من قبيل الأخبار التي يتم نشرها، بطريقة تتعمد الإثارة، عقب صدور كل تقرير يتناول الشأن التعليمي ببلادنا. لذلك نحن في وضع يمكن وصفه بـ«العبثي»، حيث تم هذا الأسبوع اعتماد ممولي حفلات بعشرات الملايين من المال العام لإطعام وإيواء أشخاص سيقولون عن التعليم ما قالته تقارير 12 مؤسسة دستورية.

فإذا عدنا إلى آخر تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان لسنة 2021، سنجده يؤكد أن مشكل الاكتظاظ مازال مستفحلا في الأقسام برسم الموسم الدراسي 2020-2021 ما يؤثر على جودة التأطير وبالتالي على حق التلاميذ في تلقي تعليم ذي جودة، وهو ما يستدعي- حسب التقرير- المزيد من توظيف الأطر التربوية وتكوينهم لتدارك الخصاص الموجود على مستوى التأطير، وهو ما يدعو له الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة.

 وأورد التقرير أن التأطير التربوي في الابتدائي يبلغ 27.2 تلميذا للمدرس وفي التعليم الإعدادي 26.3 تلميذا للأستاذ و19 تلميذا للأستاذ في التعليم الثانوي التأهيلي، علما أن المعدل الدولي هو 23.4 بالنسبة للتعليم الابتدائي سنة 2018 حسب مؤشر البنك الدولي.

وتأسف المجلس الوطني لحقوق الإنسان لاستمرار الهدر المدرسي بالمغرب، «حيث انتقل عدد المنقطعين من 304.545 تلميذا برسم الموسم الدراسي 2019.2020 إلى 331.558 برسم 2021-2020.

هذه المعطيات هي نفسها التي نجدها في تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للتربية والتكوين.

 

 

 مصطفى مورادي