محمد عصام يكتب: حين تدلس الحكومة على المواطنين بتواطؤ مع النقابات!!
سنعود إلى الاتفاق الاجتماعي الذي وقعته الحكومة مع بعض المركزيات النقابية، ولكن هذه المرة لن نقف عند عناوين غياب الزيادة العامة للأجور، أو عند هزالة كلفة الاتفاق الذي لا تتجاوز كلفته حسب تصريح الحكومة نفسها 3،5 مليار درهم، رغم أنه إلى حدود الساعة ليس لدينا أي تفصيل في كيفية توزيع هذا المبلغ على بنود الاتفاق، وهذا ما يجعله أقل الاتفاقات وأهزلها كلفة مقارنة بما تم عرضه على عهد حكومتي العدالة والتنمية ولكن للأسف رفضته النقابات لحسابات سياسية ضيقة.
اليوم سندخل للتفاصيل، وكما يقول المثل الفرنسي في التفاصيل تكمن الشياطين، وسنتوقف عند بند واحد في هذه المقالة على أساس العودة إلى بنود أخرى في مقالات لاحقة.
البند موضوع المقال هو المتعلق بمراعاة سنتي كوفيد للمنقطعين عن العمل المحالين على التقاعد في احتساب معاشهم، والذي تم إدراجه تعسفا في فقرة تحسين القدرة الشرائية في الاتفاق الاجتماعي حيث صيغ البند الخامس والأخير منه كالتالي :
"مراجعة قاعدة احتساب الأجور التي يتم على أساسها تخويل الحق في المعاش لفائدة جميع الأشخاص المؤمنين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المتضررين من تداعيات تفشي جائحة كوفيد-19 ، وذلك لتمكين المؤمن لهم المحالين على التقاعد المتضررين من الجائحة من معاش الشيخوخة مع مراعاة الفترة بين فبراير 2020 ودجنبر2021 ، دون احتساب الحالة التي لم يحصلوا فيها على أجر أو حصلوا فيها على أجر غير كامل .وتتحمل الدولة تكلفة هذا الإصلاح".
و قد طال الاستغراب كل متتبع لمعرفة الإجراء الذي سينتج عن هذا البند لاسيما ما ستتحمله الدولة من تكلفة هذا الإصلاح المزعوم ، لكن في الجلسة العامة للأسئلة الشفهية بمجلس النواب يوم 30 ماي 2022، قال وزير التشغيل بالحرف وبكل وثوقية عن الإجراء "" لن تحتسب مدة التوقف بسبب كوفيد.. وهذا يتطلب ميزانية خيالية.. وحشمنا نكتبوا هاديك الميزانية في الاتفاق.. وغا نشوفوا مع صندوق CNSS باش تأخذ ذلك على عاتقها على مدى أجيال..."
نحن أمام أكبر عملية تدليس ونصب تمارسها الحكومة في حق المواطنين بتواطؤ مع النقابات الموقعة معها على الاتفاق، فما تم النفخ فيه والتبشير به باعتباره إجراء غير مسبوق، وطفح الخيال بوزير التشغيل على الحديث عن ميزانية خيالية له، وأنه "حشم" على كتابة قيمتها في الاتفاق، وكان الأجدى به أن "يحشم على عراضو"، ولكن يبدو أنه يؤمن إلى درجة اليقين بالمثل الذي يقول "لي كا يحشمو ماتوا".
إن هذا الإجراء بكل اختصار سبق لحكومة العدالة والتنمية أن اتخذته من جملة ماتخذته لفائدة الأجراء المتضررين من الجائحة و ضمنت مقتضى بهذا الخصوص في القانون رقم 48-21 بسن أحكام متفرقة تتعلق ببعض التدابير المتخذة في إطار مواجهة جائحة فيروس كورونا " كوفيد-19" يقضي بعدم احتساب فترة التوقف عن العمل بسبب الجائحة، فتم التنصيص في المادة الأولى منه على اعتبار العاملين المشار إليهم بموجب هذا القانون الذين توقفوا عن العمل بسبب جائحة كورونا في حكم فترة توقف مؤقت لعقد الشغل بالنسبة للأجراء وفق أحكام المادة 32 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل...وتظل بالتالي العلاقة التعاقدية مع مشغليهم قائمة. هذا القانون صودق عليه بمجلس الحكومة بتاريخ الخميس فاتح يوليوز2021، وصادق عليه مجلس المستشارين بتاريخ 13 يوليوز 2021 كما صادق عليه مجلس النواب بتاريخ 14 يوليوز 2021 ( السنة التشريعية الخامسة 2020-2021 من الولاية التشريعية العاشرة) وصدر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.88 بتاريخ 15 ذي الحجة 1442 ( 26 يوليوز 2021) ونشر بالجريدة الرسمية عدد 7009 بتاريخ 2 أغسطس 2021 ص 5792. وقد دخل القانون المذكور حيز التنفيذ و تم تنفيذ مقتضياته من طرف صندوق الضمان الاجتماعي واستفاد من أحكامه بخصوص تلقي المعاشات ذلك عدد من الأجراء المحالين على التقاعد.
بمعنى أننا أمام حالة تلبس لا جدال فيها بجريرة التدليس على الشعب المغربي وبيع الوهم له، والسطو على إنجازات الغير "بلا حياء ولا حشمة"، كما أننا أمام حالة احتقار واضحة وفاضحة لهذا الشعب وذكائه، وهذا بكل تأكيد استمرار "للسحر " الذي سُحرت به أعين الناس في الثامن من شتنبر، حيث بيع الوهم للمغاربة بشكل غير مسبوق، ليستفيقوا على الأقنعة تتساقط تباعا وفي وقت وجيز.
لم تكتف الحكومة بهذا التدليس من باب "كبرها تصغار"، بل إن وزير التشغيل "طلق لسلوقيته لكي تسرح بعيدا" وتحدث عن ميزانية خيالية لهذا الإجراء، وبالمناسبة هذه سابقة في تاريخ السياسة في المغرب أن يأتي وزير ويتحدث عن ميزانية "خيالية"هكذا وهو مرتاح الضمير، تنصل من الاتفاق الذي بلزم الحكومة بتحمل كلفة هذا الإجراء وحملها لصندوق الضمان الاجتماعي ولأجيال حسب تعبيره.
لنخلص أننا أمام العبث بعينه، وأن أكذوبة الكفاءات تلاشت بالمرة، وأن أقصى ما يملكه القوم هي "السنطيحة العريضة" ولا شيء غير ذلك، وسنقف في حلقات أخرى على فضائع هذا الاتفاق وبيان التدليس والكذب فيه
