الندرة والتعقيد والرسوم .. ثلاثي يعرقل النشر في "المجلات المحكمة" بالمغرب

الندرة والتعقيد والرسوم .. ثلاثي يعرقل النشر في "المجلات المحكمة" بالمغرب

 الندرة والتعقيد والرسوم .. ثلاثي يعرقل النشر في "المجلات المحكمة" بالمغرب

متأرجحة بين الندرة ونقص الكفاءة والتعقيد في الشروط، يجد الطلبة الباحثون المغاربة عراقيل شتى لنشر مقالات في المجلات والمواقع المحكمة والمفهرسة، على اختلاف تصنيفاتها ودرجاتها، التي تندرج عادة ضمن قاعدة بيانات “scopus” أو “Web of science”.

وأضحى الطلبة الباحثون ملزمين بموجب القانون الجديد للجامعات المغربية الصادر سنة 2020 باستيفاء 200 ساعة من التكوين الأكاديمي، وإتقان لغة أجنبية موازية للغة الأم، إضافة إلى إلزامية نشر مقالين على الأقل في المجلات التي تخضع لشروط التحكيم الدولي.

ويجد الطلبة الباحثون صعوبات جمة لنشر مقالاتهم بالمواقع والمجلات المفهرسة والمحكمة، خاصة وأن هذه الأخيرة تتعامل بصرامة مع المواد غير المبتكرة كالتي يشوبها النقل في الاقتباسات أو إعادة تكرار مضامين مقالات أخرى ولصقها، ناهيك عن السرقات الفكرية المقصودة أو غير المقصودة.

تعقيدات وشكليات
يرى نور الدين البكراوي، طالب باحث في سلك الدكتوراه، تكوين: شمال المغرب وعلاقته بحضارات الحوض المتوسطي، أن شروط الدكتوراه “ساهمت في تعقيد الأمور وتعثر غير قليل من الطلبة الباحثين بعدما تبعثرت جهودهم بين الانشغال بالتعود على مناهج البحث العلمي الأكاديمي من جهة أولى، وإتقان اللغات الأجنبية من جهة ثانية، والمجاهدة في إخراج مقالات علمية قابلة للنشر من جهة ثالثة”.

لا غرو في أن مهمة نشر المقالات بالمواقع والمجلات المذكورة باتت حصى في حذاء الباحثين المبتدئين وطلبة سلك الدكتوراه، بالنظر إلى كونهم في منزلة “مشروع باحث” ما زال يتلقى تكوينه الأكاديمي على أساليب ومناهج البحث العلمي الرصين.

و”إذا كان الشرطان الأول والثاني يتحمل فيهما الطالب كامل المسؤولية، فإن الشرط الثالث (أي النشر) لا ينبغي أن نحمّل فيه المسؤولية للطالب الباحث وحده”، يقول البكراوي، على اعتبار أن أعداد المجلات والمواقع المحكمة في الوطن العربي عموما، والمغرب على الخصوص، “محصورة، وعادة ما تميل إلى تقييد شروط النشر على مستوى الشكل بشكل مبالغ فيه، فبالأحرى الموضوع، من قبيل نوعية الخط ومقاساته، والمسافة بين الكلمات والأسطر، وغيرها من الشكليات التي تصرف الذهن عن الانشغال بالموضوع أولا وأخيرا”.

وأبرز الباحث المتخصص في العلاقات المغربية الإسبانية ونزاع الصحراء أن هذه العراقيل الشكلية التي تدرجها المواقع العلمية المحكمة ضمن شروط النشر على منصاتها الافتراضية وعلى صفحاتها، هي “من بين ما يثبط عزيمة الطلبة الباحثين على النشر، خاصة وأن ندرة هذه المواقع تصعب على الباحث إيجاد منافذ لنشر بحوثه العلمية، وإن كنا نعتبرها أيضا علامة على عزوف المجتمعات العربية عن القراءة”.

وأضاف البكراوي أن “هذا الواقع يدفع بالكثيرين إلى الاقتباس والتقليد واستعارة الأفكار والمعارف، وتثبيت منهج دون آخر، وترجيح كفة نظرية على أخرى، فيغيب الإبداع كما التأصيل للعلم والمعرفة، وهو ما يحيل إلى ميل الباحث المبتدئ إلى التبسيط وتداول المتناول من المعارف والمناهج، والبعد عن التكلف والمكابدة والاجتهاد، عساه بذلك يرضي الذوق العلمي المألوف، ويرفع عن نفسه الحرج”.

وفي ظل ما هو متوفر من الواقع الأكاديمي، المتسم بفارق بيّن بين ما تطلبه المواقع والمجلات المحكمة من شروط من أجل النشر فيها، وبين ما هو متاح من الخبرة والقدرة العلمية والمعرفية لدى معظم الطلبة الدكاترة، بادر البكراوي إلى إنشاء موقع “باب المغاربة” الثقافي كمنصة وسطى، ورافعة فكرية وعلمية تفتح للباحثين آفاقا للتعود على أساليب الكتابة الأكاديمية، خاصة في حقول الآداب والعلوم الإنسانية، بالمجان.

وأوضح أن موقع “باب المغاربة” ينضاف إلى المشهد الثقافي المغربي والعربي ليشكل علامة فارقة اختار مؤسّسوه تبسيط المساطر الأكاديمية بشكل يحفز الباحث على الكتابة العلمية الرصينة، كما يشجع المتصفح المهتم بالشأن الثقافي على القراءة.

وتابع المتحدث ذاته بأنه “يجب ألّا نفهم من هذا القول إن هذا الموقع ينفي شروط الكتابة الأكاديمية، أو يبخس البحث العلمي قدره، وإنما هو منصة ثقافية وعلمية بقدر ما تتقيّد بشروط البحث العلمي الرصين، فإنها تيسّر إجراءه، من خلال تجزيئ الدراسات العلمية المطوّلة، واختزال النص في عدد مقبول من الكلمات، عسى الباحث يتحفز للكتابة، والمتصفح يقبل على القراءة”.

وواصل بأن الموقع “بادرة لوضع اللبنات الأولى لما سيليها من المبادرات التي ستعمل على تيسير إجراء الكتابة العلمية الرصينة، وتشجيع فعل القراءة بين المهتمين”.

رسوم ومواقع وهمية
محمد بن عيسى، باحث في سلك الدكتوراه، قال إن “المجلات والمواقع المفهرسة والمحكمة لا تقبل إلا المقالات التي تتحلى بصفتيْ الأصالة والجدية في طرح ومعالجة المواضيع. لذلك، تجدها تتأخر في الرد بقبول أو رفض النشر بشكل يدعو إلى اليأس”، وذلك سواء في المواقع والمجلات المجانية أو نظيرتها المؤدى عنها.

واستحضر بن عيسى الصعوبات التي تعتري طريق الطلبة الباحثين بسلك الدكتوراه، من قبيل “الاحتكام إلى اللغة الإنجليزية التي صارت اليوم لغة العلم، فضلا عن مسألة الترجمة، وكذا وجوب إعداد مقالات جادة تستجيب لمعايير البحث العلمي الرصين والمُبتكر”.

وأشار المتحدث ذاته إلى دراسة حديثة حول “المجلات العلمية الوهمية” بوأت المغرب المرتبة 12 على المستوى العالمي، حيث يعمد بعض الباحثين والدكاترة المغاربة إلى مراسلة هذه المجلاّت من أجل نشر “مقالات” مقابل أداء أموال لصالح النّاشر الوهمي غير الموجود أصلا، أو لا قيمة علمية للمجلة التي يصدرها إن وجدت.