الحوار الاجتماعي في المغرب يتأرجح بين "مكاسب مهمة" و"زيادة هزيلة"

الحوار الاجتماعي في المغرب يتأرجح بين "مكاسب مهمة" و"زيادة هزيلة"

الحوار الاجتماعي في المغرب يتأرجح بين "مكاسب مهمة" و"زيادة هزيلة"


 أثارت المكاسب التي جنتها النقابات العمالية من الحوار الاجتماعي مع الحكومة ردود فعل متباينة؛ فبينما اعتبرها فاعلون نقابيون مكتسبات مهمة، قلّل جزء من الرأي العام من أهميتها، لا سيما في الشق المتعلق بالرفع من المعاشات، التي لم تتعدَّ 200 درهم في الحد الأقصى.


ويعتبر منتقدو ما توافقت عليه الحكومة والنقابات، بشأن المعاشات، أن الزيادة المقررة تظل هزيلة، وجاءت في وقت ارتفع فيه التضخم إلى مستوى قياسي، وتدهورت فيه القدرة الشرائية للمواطنين.


وتؤكد إحصائيات رسمية تدهور مستوى المعيشة للمواطنين المغاربة، حيث بلغت نسبة الأسر التي أقرّت بهذا التدهور خلال 12 شهرا السابقة 79.2 في المئة، في حين إن نسبة الأسر التي اعتبرت أن مستوى معيشتها ظل مستقرا لا تتجاوز 6.14 في المئة فقط، بحسب مذكرة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط.


واعتبرت النقابات الموقعة على الاتفاق الأخير مع الحكومة ما تمّ الاتفاق عليه “مكسبا مهما”، بينما رأت أطراف نقابية أخرى أن ما قدمته الحكومة لا يرقى إلى مستوى انتظارات وتطلعات المغاربة.


مكاسب هزيلة

بالنسبة لرجاء كساب، عضو نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل مستشارة برلمانية سابقة، فإن المكتسبات التي تحققت من الحوار الاجتماعي، في عمومها، “هزيلة ولا ترقى إلى مستوى انتظارات الشعب”.


وقالت كساب، في تصريح ، إن ممثلي النقابة التي تنتمي إليها عبروا لرئيس الحكومة، في الاجتماع الأخير، عن أن السياق الحالي الذي يتميز بانتعاش اقتصادي، “يختلف عن سياق أبريل الذي وُقع فيه اتفاق الحوار الاجتماعي، بعدما تحسنت المؤشرات الاقتصادية”.


وأكدت المتحدثة ذاتها أن الحكومة مدعوّة إلى تحسين وضعية عموم المواطنين، من خلال اتخاذ إجراءات من قبيل إقرار زيادة عامة ذات أثر في الأجور، ومراجعة نسبة الضريبة على الدخل، لافتة إلى أن الزيادة الأخيرة في معاشات متقاعدي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لم تأت بها الحكومة الحالية، بل تمخضت عن قرار إداري للصندوق.


وفي الوقت الذي تعتبر فيه الحكومة ما تم الاتفاق عليه مع النقابات “مكتسبات مهمة”، قالت رجاء قصاب إن المكتسبات المحققة من الحوار الاجتماعي، على ضعفها، لا تُنفذ على النحو المطلوب في القطاع الخاص، بسبب رفض أرباب المقاولات تنفيذها، لافتة إلى أن عددا من بنود الاتفاق الموقع منذ سنة 2019 لم تطبّق إلى الآن.


وخلال الاجتماع الأخير مع النقابات، وعَد رئيسُ الحكومة بالانكباب على تذليل الصعوبات والعوائق التي تعترض التنفيذ الشامل لاتفاقات الحوار الاجتماعي.


وترى رجاء كساب أن الظرفية الاقتصادية الحالية “أفضل بكثير من الظرفية التي وُقع فيها اتفاق 30 أبريل، حيث سجّلت مداخيل المكتب الشريف للفوسفاط مستويات قياسية للسنة الثانية على التوالي، وانتعش القطاع السياحي بشكل كبير، وارتفعت عائدات الجالية المغربية المقيمة بالخارج”، مضيفة أن الحكومة “استفادت حتى من أزمة غلاء الأسعار، حيث جنت مداخيل كبيرة من الضريبة على القيمة المضافة، سواء في المحروقات أو المواد الغذائية”.


وبحسب إفادة كساب، فإن الحكومة “لا تُنكر تحسُّن الوضعية الاقتصادية، غير أنها تتذرّع بالظرفية العالمية المتقلبة”، معتبرة أن الحكومة أمامها الكثير من الحلول، “فلو حلّت مشكل مصفاة لاسامير لتكرير البترول، لكان هذا الإجراء وحده كاف لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، حيث ستنخفض أسعار المحروقات، وتبعاً لذلك ستنخفض أسعار باقي المواد الاستهلاكية والخدمات”.


مكاسب مهمة لكنها غير مرضية

في المقابل، ترى أطراف نقابية أخرى أن المكتسبات المحققة من الحوار الاجتماعي “مهمّة”، لكنها تُقر بأنه “لا يمكن القول بأنها مرضية تماما”.


قال يوسف مكوري، الكاتب الجهوي لنقابة الاتحاد المغربي للشغل: “لا يمكن القول بأن المكتسبات المحققة من الحوار الاجتماعي مرضية، ولكن ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار السياق والظرفية التي وُقع فيها الاتفاق مع الحكومة”.


واعتبر مكوري، في تصريح ، أن “ميزان القوى ليس في صالح القوى العاملة، وأي مَكسب يتم تحقيقه من خلال الحوار الاجتماعي فهو قيمة مضافة بالنسبة إليها”، مضيفا: “حين نحقق جزءا من المكاسب فهذا لا يعني نهاية النضال من أجل تحقيق مزيد من المكاسب”.


وتمخضت جولة الحوار الاجتماعي، الأربعاء، بين وفد الاتحاد المغربي للشغل ورئيس الحكومة، عن المصادقة على الزيادة في معاشات متقاعدات ومتقاعدي القطاع الخاص المنخرطين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بنسبة 5% بأثر رجعي ابتداء من فاتح يناير 2020، وإلغاء شرط استيفاء 3240 يوم عمل للاستفادة من المعاش.


وذهب يوسف مكوري إلى القول إن “الزيادة في معاشات متقاعدي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وخفض عدد الأيام المطلوبة للحصول على المعاش، يكتسيان أهمية كبيرة، لأنهما يهمان عشرات الآلاف من الأجراء، وهذا مكسب مهم ونوعيّ في الظرفية الحالية، وهو وحده كفيل بأن يدفعنا إلى التوقيع على اتفاق الحوار الاجتماعي”.


وعلى الرغم من تنويهه بالمكتسبات المحققة من الحوار الاجتماعي، إلا أن مكوري اعترف بأن “التشتت” الذي يطبع صفوف الحركة النقابة، يؤدي إلى إضعاف وضعية الطبقة العاملة، وقال: “لا يمكن تحقيق المطالب بالشكل الذي نريده دون توحيد صفوف الحركة النقابية، ودون حفاظها على استقلالية قرارها”.