الكتب وما بعد ذلك

الكتب وما بعد ذلك

 الكتب وما بعد ذلك

منذ أربعين عاما تقريبا وأنا مصاب بحالة من الهوس و(الشفحة) بشراء الكتب ومتعة التردد على المكتبات التجارية ،ومتابعة أحدث الإصدارات والتردد على معارض الكتب عندنا في الرياض أو في القاهرة ودمشق وبيروت أو البحرين والشارقة وأبو ظبي ودبي وألفت الناشرين وألفوني شكلا على الأقل وطوال هذه الفترة كنت اعاني من تكدس الكتب عندي ،واحيانا في فترة من الزمن كنت ابتاع كتب التراث حسب الطبعات مع الحرص على امتلاك أجودها تحقيقا وتعليقا، ثم استغنيت عن كتب لم اعد اطالعها، ولم تعد في ضمن دائرة اهتمامي .وحقيقة اكتشفت ضآلتي المعرفية أمام جهود جبارة يخجل الإنسان أن يضع بجنبها أحد مؤلفاته ،وهذا الرأي اخذته عن الكاتب الأرجنتيني بورخيس في لقاء مع الكاتب البيرواني، الحائز على جائزة «نوبل»، ماريو بارجس يوسا

(( يوسا: اندهشت كثيرًا حين لم أرَ في مكتبتك أي كتاب لك، لماذا لا تحتفظ بكتبك في مكتبتك؟

بورخس: أعتني جدًّا بمكتبتي. فمن أكون، أنا، لأضع كتبي بجانب شوبنهاور. ))

كلام بورخيس ومن قبله وصايا وحكم ابائنا القدماء في الثقافة العربية كان لهم تأثير مباشر علي وعلى مسلكي التحصيلي ويمثل عدة مراحل ،إلا أن أهمها هي مرحلة الفكاك من الذهنية الجامدة وقد لازمتني هذه الذهنية في مرحلة التفكير السلفي ولازمتني إلى ما بعد تحولي عنها إلى براح العقلانية وبالرغم من هذا التحول إلا إنني كنت اعاني من انعدام العمق خصوصا وانني لم أكن من الملهمين أو أصحاب الفتح وهكذا شيئا فشيئا استطعت العبور إلى رحابة الفكر وجسارة التفكير من غير أي قيد يحول دون تركيب الجمل والعبارات، علما إن حالتي القديمة قد تنغص علي أحيانا وتمنعني أن لا أكون عقلانيا أو منصفا في أحكامي وقناعاتي ..مشكلة تفكير أهل الحديث والأثر أنه بطبيعته لا ينتج فهم وإنما يدرب على الجمود، البحث هذا ما لم يحثنا عليه مشايخنا؛ لهذا لم تنتج هذه المدرسة فقه ولا أصول فقه بل لم تنتج هذه المدرسة علوم مرتبطة بمدرستهم مثل علوم الرواية ، ككتب مصطلح الحديث وغريب الحديث وجميع هذه الكتب قد الفها إما علماء من المذهب الشافعي مثل الخطيب البغدادي، أو الحافظ المزي أو الذهبي وابن حجر العسقلاني وغيرهم جمع ،أو من المذهب الحنفي مثل الزيلعي أو اللكنوي أو مالكي أما المذهب الحنبلي فبعض مؤلفات ابن الحوزي وكما هو معروف أن جميع من الف في علوم الحديث هم عيال على الخطيب البغدادي الشافعي المذهب ولا يوجد كتاب يذكر في علوم الحديث قد الفه واحد من مدرسة أهل الحديث ولعلي اعود لهذه الجزئية في مقال آخر.

المهم إنني تخلصت من مجموعة من الكتب التي شعرت أني لم أعد أطالعها أو ارجع إليها لعل السبب في ذلك هو حالتي الصحية أو التقدم في العمر وأظن أن ارتباطي بالكتب فقط كمصدر للثقافة لفترة طويلة قد انساني في كثير من الأحيان أن ادرب نفسي على اقتناص الدهشة وهي حالة من الشغف التي يجب أن اعيشها مع أكثر من مورد معرفي وليس الكتاب فقط إن القدرة على القبض على لقطة شاردة أو متسكعة يحتاج إلى مران ذهني ومثل هذه الأمور قد تحدث مع الإنسان مبكرا فينتج عن ذلك مبدع كبير أو مثقف كبير أو قد تتأخر هذه المرحلة وتتفلت وتذهب بسبب ذلك إلى حالات الوهم والمراوحة الذهنية.