لماذا لا يعامل النظام الجزائري المغرب كفرنسا؟
مولاي التهامي بهطاط
خبران استرعيا الانتباه مؤخرا، كانت مسرحهما الجارة الجزائر.
الخبر الأول، كان بطعم الفضيحة ويتعلق بتفاصيل جديدة حول ما قدم على أنه فتح مبين و”استعادة رفات مجاهدين ومقاومين”، قبل أن تتولى بداية صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، ثم “ليبراسيون” الفرنسية لاحقا، كشف المستور، فلا الأمر يتعلق باستعادة، بل باستعارة فقط مدتها 5 سنوات، ولا ندري هل هي قابلة للتجديد أم لا؟
ولا هو يتعلق برفات شهداء المقاومة، بل بقطاع طرق، وبجزائريين قاتلوا وقتلوا في صفوف قوات الاحتلال.
فعوض رفات 24 من رجال المقاومة “الشعبية”، أكدت الصحيفة الأمريكية أن 18 جمجمة أصلها غير مؤكد وهي للصوص في الغالب، بينما ثلاث أخرى هي لجنود خدموا في الجيش الفرنسي.
وقد كذب وزير المجاهدين الجزائري هذه الأخبار بعد أيام وأيام من نشرها.
أما الخبر الثاني فيتعلق برفع ميزانية الجيش الجزائري من 9 إلى 22 مليار دولار برسم السنة القادمة.
من المبررات التي تم تقديمها لتبرير هذه القفزة المهولة، أن هذه الاعتمادات ستخصص لتجديد “الترسانة المتقادمة”، وتدارك التأخير الحاصل في مشاريع توقفت سابقا نتيجة الازمة المالية، فضلا عن تغطية كلفة رفع المخصصات الاجتماعية للعسكريين.
وقد تزامن هذا الإعلان، في ظل الظروف التي تعرفها البلاد بشهادة إعلامها الرسمي وشبه الرسمي، مع تبشير بعض المنابر (جريدة الشروق مثلا) بالرخاء القادم خلال الثلاث سنوات المقبلة، والذي سيؤدي إلى رفع احتياطي الجزائر من العملة الصعبة بأرقام فلكية..
لكن بعيدا عن هذا التعاطي السطحي، هناك معطيات يصعب على المحلل الموضوعي القفز عليها.
فالمفروض في بلد يعيش أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، أن يعطي الأولوية لإطعام الأفواه الجائعة والارتقاء بخدمات الصحة والتعليم ومشاريع البنية التحتية الأساسية، وليس رفع ميزانية الجيش بأكثر من 120 في المائة.
إن الأرقام التي تداولها محللون جزائريون تكشف عن جزء من الجواب على هذا التناقض.
فميزانية “الدفاع” لن تتجاوز 9 ملايير، أي أنها ضمن نفس السقف المعروف تقريبا، وميزانية الإدارة العامة في حدود 8.5 مليار دولار، لكن إدراج 5 مليار دولار تحت بند “اللوجيستك والدعم متعدد الاشكال”، ليس له سوى تفسير واحد هو أن هذا المبلغ الضخم سيخصص شطر منه للاستعداد لمواجهة أزمات الداخل، خاصة بعد أن بدأ العد العكسي لـ”العهدة الثانية”، وفي ظل حالة السخط الشعبي المتزايد بسبب استفحال الأزمة على كافة الأصعدة، بينما سيرصد شطره الآخر- على الأغلب- لملف الصحراء المغربية، عبر تسليح مليشيات البوليساريو وتقديم الرشاوى لشراء الدعم لمشروعهم الوهمي والخيالي.
ما يؤكد هذا التحليل، هو أنه من الغباء المطلق الحديث اليوم عن صفقات سلاح جديدة، أو تجديد ما تقادم من عتاد، بالنظر إلى أن 95 في المائة من سلاح الجيش الجزائري مصدره روسيا التي فشلت لحد الآن في تحقيق ولو جزء يسير من أهدافها في الحرب على أوكرانيا، بل إنها اصبحت تستورد الطائرات المسيرة وربما حتى الصواريخ من إيران.
فأي منطق هذا الذي يبرر صب ملايير الدولارات مقابل سلاح تأكدت عدم نجاعته حتى في مواجهة الأسلحة الغربية “البسيطة” وضد دولة لا تملك أصلا جيشا محترفا، فكيف لو كانت المواجهة مع جيوش حلف الأطلسي بأسلحته المتطورة؟
إن هذه المعطيات تؤكد فقط قناعة ترسخت على مدى عقود.
فطبيعي أن يتشاءم مواطنو أية دولة غير نفطية تلقائيا بمجرد سماع أخبار ارتفاع أسعار البترول لأن ذلك سينعكس مباشرة على قدرتهم الشرائية.
لكن تشاؤم المغاربة يكون دائما مزدوجا، للسبب أعلاه أولا، وثانيا لأنهم يعلمون أن الجارة الشرقية لن تصرف عائدات نفطها وغازها على التنمية، وعلى تحسين ظروف عيش مواطنيها، بل إنها ستنفق بسخاء على شراء المواقف والتصريحات الإعلامية المعاكسة للوحدة الترابية للمغرب، الذي سيجد نفسه مضطرا لا محالة للدخول في سباق تسلح لا مفر منه.
إن هذه المعطيات، تفرض علينا ربط الخبرين، الأول والثاني من خلال التساؤلات التالية:
ترى، لماذا لا يتعامل النظام الجزائري مع المغرب كما يتعامل مع فرنسا، بما أنهما يشتركان معا في العداء التاريخي المزعوم للجزائر؟
وكيف أن هذا النظام الذي يواظب ليل نهار على سب فرنسا والتذكير بجرائمها، لم يستجب لأحد أهم مطالب “الحراك” بإنهاء هيمنتها الاقتصادية على الاقتصاد الجزائري، لكنه لا يتوقف عن تحميل المغرب تبعات كل المشاكل والكوارث حتى لو كانت طبيعية أو بفعل فاعل من النظام نفسه؟
وكيف يقبل تحت عنوان “حفظ الذاكرة”، تسلم رفات الحركى واللصوص ليكرمهم ويرفعهم إلى مقام الشهداء.. هذا إن لم يتضح لاحقا أن تلك الصناديق كانت أصلا فارغة.. لكنه لا يتوانى عن سرقة “الذاكرة المغربية” جهارا نهارا، وتحت أضواء وسائل الإعلام، علما أن المغرب استعاد فعلا، لحد الآن أكثر من 4 ملايين وثيقة دون هرج أو مرج أو مراسيم فولكلورية؟
إن العقل يحار فعلا في إيجاد تفسير منطقي لهذه الازدواجية.. فالنظام الجزائري لا مانع عنده من التمكين للشركات الفرنسية التي أصبحت تطارد حتى في “إفريقيا الفرنسية”، ورغم “وادي الدماء” الذي جرى على مدى أكثر من 130 سنة بين “البلدين”، بينما لا يقبل حتى مجرد الجلوس مع المغرب ولو في جلسات فضح ومكاشفة ومصارحة، بما أن المصالحة مع الجار الغربي ترادف “الخيانة العظمى” في القاموس الديبلوماسي الجزائري.
أكرر لعل في التكرار فائدة..
قالوا في الأمثال: عدو عاقل خير من صديق مجنون.. فما العمل عندما يكون عدوا ومجنونا؟
