الأجور والمسار الأكاديمي يدفعان الممرضين المغاربة إلى طرق أبواب الهجرة
طفت ظاهرة هجرة الكفاءات المغربية نحو الخارج على السطح منذ سنوات، غير أن ما يميز وتيرتها اليوم أنها تضاعفت لتطال أطرا وكفاءات وخبرات في كل المجالات، منها مجالات وقطاعات تعيش أزمات ونقصا حادا في الموارد البشرية، والحديث هنا عن قطاع الصحة.
“إن الفتى من يقول ها أنا ذا..ليس الفتى من يقول كان أبي”؛ قول منسوب للحجاج ابن يوسف الثقفي ينطبق على حالة أمين أهريد المنتمي سابقا لهيئة الممرضين وتقنيي الصحة بالمغرب قبل أن يخوض غمار الهجرة والاستقرار بكندا حيث وجد ضالته وما أراد.
يرى أمين أهريد، تقني في المختبر والتحليلات الطبية، أن جائحة “كوفيد-19” ساهمت في توجه عدد مهم من الأطر الصحية والتمريضية نحو الهجرة؛ إذ أصبحت العملة الأكثر طلبا والأكثر استقطابا عبر ربوع العالم، خاصة في الدول المتقدمة، بفعل تزايد الطلب على الخدمات الصحية وازدياد أمد الحياة ونسبة الشيخوخة والأمراض المزمنة.
وتبعا لذلك، يضيف الإطار المستقر بكندا، “تكونت حاجة ماسة للسواعد التمريضية في جميع أنحاء العالم اليوم قبل الغد، فلا مجال للانتظار 3 أو 4 سنوات من أجل تكوين ممرضين؛ فقد سارعت دول كثيرة مثل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا لخطب ود الممرضين لمساعدتها في النهوض بقطاعاتها الصحية التي تضررت من جراء الجائحة”.
وشدد المتحدث لهسبريس على أن “كندا كانت الأكثر ذكاء في جذب الممرضين من خلال نظام خاص لأول مرة في تاريخ برامجها للهجرة بالممرضين، يمكن اعتباره جسرا سريعا اجتمعت فيه كل التسهيلات الممكنة”.
في سياق متصل، كشف تقرير للنقابة المستقلة للممرضين، قدم في جلسة استماع أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن العديد من الدول تعمل على توظيف كل الوسائل لاستقطاب أحسن الأطر في العلوم التمريضية وتقنيات الصحة في ظل صعوبة توطين هذه المهن.
وأوضح التقرير ذاته، الذي تتوفر هسبريس على نسخة منه، أن “التحفيزات المالية والأجور المغرية والتأطير القانوني للمهن وظروف العمل المناسبة والاستقرار الوظيفي، كلها عوامل استقرار الأطر التمريضية ببلدان المهجر”.
وسجل تقرير المجموعة الموضوعاتية حول المنظومة الصحية بالمغرب بمجلس النواب نقصا مهولا في عدد الموارد البشرية العاملة في المجال، مؤكدا أن قطاع الصحة يعاني من غياب نظام جذاب وتحفيزي للرأسمال البشري العامل بالقطاع الصحي العمومي.
وخلص التقرير إلى أن ضعف الموارد البشرية بالقطاع الصحي من بين أبرز معيقات تطور المنظومة الصحية، مؤكدا أن المغرب يحتاج إلى 32 ألفا و387 طبيبا، و64 ألفا و774 ممرضا وتقني صحة.
وشدد المصدر ذاته على أن “هذا الواقع المقلق يزداد سوءا مع ارتفاع وتيرة الإحالة على التقاعد وبزوغ ظاهرة هجرة الكفاءات التمريضية خارج المنظومة الصحية، حيث ارتفع عدد طلبات الاستقالة والترك القسري للوظيفة وضعف الإقبال على المناصب المالية المفتوحة”.
أجور ضعيفة
التقرير رصد تذيل المغرب ترتيب أجور الممرضين وتقنيي الصحة بالعالم؛ إذ لا يتعدى أجر الممرض الحاصل على الإجازة 6200 درهما، وهو الأجر نفسه الذي يتقاضاه ممرضون قضوا أكثر من ثلاثين سنة من العمل في الجبال والقرى وساهموا في محاربة العديد من الأوبئة.
وقال التقرير إن الممرض المغربي لا يتقاضى الأجر الذي يستحق، مبرزا أن هذا الأجر مضاعف ست مرات في دول الاستقطاب؛ إذ يصل إلى 70000 دولار سنويا مقابل 8000 دولار سنويا بالمغرب.
وأضافت الوثيقة ذاتها أن كل الأبحاث أثبتت أن أكثر المهنيين تعرضا للخطر بحكم قربه من المريض، هو الممرض. لكن عندما يتعلق الأمر بالتعويض عن الخطر المهني، فإنه لا تجاوز 1400 درهم شهريا مقابل تعويض يصل إلى 5900 شهريا للطبيب، وهو “خرق لمبدأ الخطر واحد والتعويض واحد لكل مقدمي العلاجات”.
انسداد الأفق
ومن الأسباب الجوهرية لنزيف هجرة الأطر التمريضية، وفق التقرير نفسه، غياب آفاق مهنية واضحة وانسداد المسار المهني والأكاديمي، موردا أنه “رغم المطالبات العديدة بفتح أسلاك الماستر والدكتوراه وتعهد السلطات الوصية منذ سنوات بحل المشكل، إلا أن التسويف وتضييع الزمن المهني للممرضين وتقنيي الصحة هو العنوان في أسلاك الماستر التي لا تتعدى أصابع اليد في مقابل آلاف الطلبات، وسلك الدكتوراه لم ير النور إلى حد الآن”.
وأوصى التقرير بـ”الإسراع بتحقيق المطالب المادية المشروعة لفئة الممرضين وتقنيي الصحة، وعلى رأسها الرفع الفوري من أجور الممرضين وتقنيي الصحة، والقطع العاجل مع كل أشكال التمييز الوظيفي، خاصة التعويض عن الأخطار المهنية، من خلال الإنصاف في التعويض، وتحقيق التكافؤ بين مقدمي العلاجات، واعتماد نظام ترقي عادل وموحد بين مهنيي الصحة”.
كما دعا إلى “تحديث الترسانة القانونية المرتبطة بمهنة التمريض، وتحديد الأعمال المهنية، والحد من تداخل الاختصاص بين العمل الطبي والتمريضي، وإخراج مصنف الأعمال، والتسريع بإخراج الهيئة الوطنية للممرضين وتقنيي الصحة في أقرب وقت، حماية للممارسة الجيدة للمهنة وحماية لصحة المواطن، إلى جانب القضاء على كل أشكال التهميش أو الظلم الممارسة على الفئة، خاصة على مستوى المؤسسات العمومية المستقلة المتمثلة في المراكز الاستشفائية الجامعية”.
