باحث يرفض "التعسف" في ربط المجتمع بين "البلوغ الجنسي" و"الرُّشد الأسَري"

باحث يرفض "التعسف" في ربط المجتمع بين "البلوغ الجنسي" و"الرُّشد الأسَري"

 باحث يرفض "التعسف" في ربط المجتمع بين "البلوغ الجنسي" و"الرُّشد الأسَري"

الزواج “بناء للمجتمع السليم، ورؤية للعالم والأشياء” لا “مجرد عملية جنسية تناسلية”، وعدم الانتباه إلى هذه المسألة قد ينتهي، وفق الباحث عياد أبلال، بـ”كوارث اجتماعية، إذا ما غابت شروط الزواج الموضوعية”.

في بحث نشرته مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ذكر أبلال الحاصل على جائزة المغرب للكتاب، في صنف العلوم الاجتماعية، أن الزواج كمدخل ووسيط علائقي لتأسيس الأسرة “بناء ثقافي رمزي يتطلب بلوغًا ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا (…) باعتبارها فن تدبير الممكن وتعديل المتاح وفق الشروط والظروف الكائنة والممكنة لا المستحيلة”؛ لأن “الأسرة هي النواة الأصلية والأولى لممارسة الثقافة والاجتماع والسياسة، بل هي المؤسسة الأولى التي تتبلور من خلالها مختلف خطاطات وأنماط التواصل الثقافية”.

أهمية الأسرة تتجلى في أن “كل الأسر لها علاقات داخلية في ما بين أعضائها، وبينها وبين الأسر الأخرى، التي تشكل العائلة في مفهومها الكبير، كما مع الجيران والبيئة الاجتماعية بصفة عامة، وهو ما يجعلها اللبنة الأساس في بناء المجتمعات”.

في هذا الإطار “يتطلب النجاح في الزواج توفر كل من الزوج والزوجة على مواصفات وكفاءات وكفايات ثقافية واجتماعية ناتجة عن التعليم والتعلم، وعن التجربة والمراس في الحياة الاجتماعية، بكل ما تقتضيه من تفاعل وتعالق سوسيو- ثقافي، كما تتطلب النضج الجنسي الذي يكون خلال الزواج المبكر في بداية التبلور والتطور؛ ذلك أن عامل السن محدد أساسي لهذا النضج، لأن الجنس في حد ذاته ليس بالبيولوجي الصرف وإلا سقطنا في الحيوانية”.

ويشدد أبلال على وجود خلط مجتمعي راهن في المغرب والمنطقة المغاربية والعربية بين “البلوغ الجنسي الفيزيولوجي” وبين “الرشد الثقافي”، قائلا: “مازال يربط اجتماعيا البلوغ الفيزيولوجي بالقدرة على الإنجاب وبناء الأسرة، وهو ربط تعسفي يضمر رؤية تناسلية محضة لجسد المرأة؛ ذلك أن القدرة الفيزيولوجية ليست مؤشرًا إطلاقًا على القدرة على الزواج، لأن البلوغ الجنسي البيولوجي، والمعبَّر عنه اجتماعيًّا بالبلوغ والرشد، ليس سوى انتقال الذكر أو الأنثى من طور بيولوجي إلى طور آخر”، واسترسل شارحا: “إنه رشد بيولوجي، وليس ثقافيا، بمعنى آخر، إن الجسد يكون قد انتقل من مرحلة سلبية في ما يخص الجنس إلى مرحلة إيجابية، قد تكون نشيطة إذا ما توفرت الظروف الجنسانية الملائمة بالنسبة إلى الرجل في سياق الهيمنة الذكورية؛ فالشابة عكس الشاب، ليس لها الحق في الجنس قبل الزواج، وليس لها الحق في فقدان البكارة التي تعتبر رمزا للشرف والعفة والوقار والاستقامة، وهي المعايير التي بدونها يصعب عليها الزواج”.

في حين أن الزواج، وفق الباحث ذاته، “ممارسة ثقافية واجتماعية في الآن نفسه”، تتطلب “الحب والقبول والاحترام المتبادل والإنصات للمشاعر والأحاسيس”؛ وهي شروطٌ “تحرر الجسد الشهواني من مبدأ اللذة من أجل اللذة، ومن الكبت والاضطرابات السيكو-جنسية، وتؤطر اللذة من أجل العيش في حب وسلام وود”، وهذا “الشرط الأوَّلي للتحرر في معناه الشمولي”.

ويفسر الباحث استمرار “الزواج المبكر” رغم مرور عقدين تقريبا من “مدونة الأسرة” بكونه “آلية من آليات حجب هذا الانفجار الجنسي، الذي يتجلى في معدلات افتضاض البكارة ووقوع الحمل، بكل ما يرتبط بذلك جنسانياً، نتيجة وعي جنساني زائف، يربط البيولوجي بالاجتماعي ربطا تعسفياً، وهو ما يجعل الجنس ينتصر على الجنساني، ويحيل الثقافة إلى الخلف”، وواصل شارحا: “فشل الأسرة اليوم في احتضان البنت، وفي تعديل وتفهم جنسانية المرأة المحددة بشروط المجتمع، يجعل الزواج المبكر انتفاضة جسدية ضد المجتمع وضد الجنسانية التقليدية، كما يمكن أن نعتبره انتفاضة سوسيو-اقتصادية ضد المجتمع الذي قيد المرأة وسجنها حركيًّا، ما دام الزواج هو المسلك الأهم لتحقيق حركية اجتماعية صاعدة”.

وتابع أبلال: “توصلنا من خلال دراستنا للحركية الاجتماعية والتحولات السوسيو مجالية بالمغرب إلى أن الزواج يعد أهم مسلك من مسالك الحركية الاجتماعية الصاعدة، بل الوحيد أحيانا للترقي الاجتماعي، خاصة في الهوامش والأوساط الاجتماعية الفقيرة ومدارات الهشاشة بالمدن؛ فالزواج يُمكِّن المرأة من الترقي اجتماعيًّا، أو على الأقل تحقيق حركية مجالية نوعية بتغيير ظروف السكن وظروف العيش والانتقال من مجال قروي إلى مجال حضري، أو بالانتقال من بنية أسرية إلى أخرى، وبالتحديد من أسرة ممتدة إلى أخرى نواتية أو من مسكن من تراب إلى آخر من إسمنت”.

هكذا، يشكل الزواج “آلية لتدبير أزمة الانفجار الجنسي الذي تعرفه أوساط الهشاشة بالمغرب، كما باقي بلدان العالم العربي، ولذلك فكلما توغلنا في هذه الأوساط كلما ارتفع الطلب على الزواج المبكر، وهو ما يعكس انتشار هذا الشكل من الزواج بقوة في هذه الأوساط، التي تعيش انفجارا جنسيا كانتفاضة جنسانية ضد المجتمع القامع لحق الجنس ولمطلب الحياة المتوازنة، وهروبا من واقع سوسيو-اقتصادي تعيشه المرأة المغربية والعربية بشكل عام في ظل الأسرة الممتدة بالأوساط المهمشة”، وفق المتحدث ذاته.

لكن “الارتباط الثنائي بين الجنسين في حالة الزواج المبكر يطرح العديد من الانعكاسات السلبية، ومنها إجمالا تأثيره المباشر على نجاح الزواج ومؤسسات الأسر الناشئة؛ ذلك أن البلوغ البيولوجي كمدخل للبلوغ الجنسي ليس بكافٍ لإنجاح مؤسسة الزواج، لأن تكوين الأسر هو في العمق بناء ثقافي واجتماعي يتطلب مجموعة من الكفايات والكفاءات والشروط الذاتية والموضوعية، وهو ما يجعل الزواج المبكر يؤثر سلبيا على تربية الأبناء داخل هذه الأسر، وعلى الصحة الإنجابية للأم، وعلى خطاطة التواصل الثقافية بين الزوجين من جهة، وبينهما وبين الأبناء وباقي أفراد الأسرة الممتدة من جهة أخرى”، يورد أبلال.

فـ”الأم صغيرة السن”، وفق الباحث ذاته، “ليست مؤهلة في ظل الظروف الموضوعية المجتمعية الحالية، خاصة في الأسر النواتية لتربية الأبناء، كما أن سنها وخصائصها الفيزيولوجية والجسدية لا تؤهلها للولادة التامة والسهلة، ناهيك عن كون الزواج المبكر هو المدخل الكبير لتعدد الولادات…”.

ويخلص الباحث إلى أن “تأسيس الأسرة هو تأسيس للمجتمع”، ولذلك، فـ”ربط الجنسي بالأُسري تعسفياً بمنح الشرعية الدينية والاجتماعية على الجنس الزوجي، وإخفاء الواقع الاجتماعي الذي بات يعرف انفجارا جنسيا مهولا، يضمر خللا وظيفيا في أداء الأنساق المشكلة للفعل الاجتماعي، وهو ما يجعل نسق الشخصية يعرف توترات نفسية خطيرة، خاصة أمام ارتفاع نسبة الأمراض النفسية في صفوف الأزواج والأسر”.

ويرى الباحث في علم الاجتماع أن “حل مشكل الانفجار الجنسي” يكمن في “ابتداع حلول من داخل العدالة الاجتماعية، وليس بمنح الشرعية الدينية على الجنس من خلال الزواج؛ لأن هذا الأخير في غياب شروطه المؤسسة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا يتحول إلى مولد للعنف والجريمة والانحراف، ولنا في الواقع الاجتماعي الأسري خير مثال”.