البريني: الخداع ونقض التعهدات يفضحان النوايا التوسعية لحكام الجزائر
تطرق الكاتب والصحافي محمد البريني، في الحلقة السادسة من سلسلته التي تحمل عنوان “حكام الجزائر: 60 عاما من الجحود والغدر والمؤامرات والاعتداءات ضد المغرب”، إلى ما جاء على لسان هواري بومدين، رئيس الجمهورية الجزائرية الأسبق، حين شارك في اجتماع مع الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الموريتاني آنذاك، وأكد حينها “تشبثه كثيرا بعلاقاته مع المغرب، وبعلاقاته مع موريتانيا، وبعلاقاته مع كل الإخوان جيران الجزائر”.
وأبرز البريني، في الحلقة السادسة التي اختار لها عنوان “الخداع ونقض التعهدات”، الأحداث التي أعقبت الموقف المعبر عنه من طرف الرئيس الجزائري، موردا: “الذي حصل هو نفس ما جرى في السابق، حيث تعرض المغرب لما تعرضت له الضفدعة حين أحسنت إلى العقرب”، وزاد موضحا أن “العقرب لا تجازي من أحسن إليها سوى بلسعه وإفراغ سمها في دمه”.
وتناول محمد البريني كيف “انهار أمل من كانوا يثقون في التزامات هواري بومدين أمام الرؤساء العرب، وكيف افتضحت، مرة أخرى، نوايا حكام الجزائر، حيث جاء تطور الأحداث ليؤكد تجذر مشاعر البغض والكراهية والعداء في نفوسهم تجاه المغرب”.
الحلقة السادسة: الخداع ونقض التعهدات
في شهر أكتوبر 1974، انعقد في الرباط مؤتمر قمة عربي حضره هواري بومدين، رئيس الجمهورية الجزائرية آنذاك.. في إحدى جلساته المغلقة نوقشت قضية الصحراء، وهذه مقتطفات من خطابه حولها. قال بومدين: «شاركت في اجتماع مع جلالة الملك ومع الرئيس الموريتاني، اتفقنا خلاله على إيجاد صيغة لحل المشكل بعد التحرير، صيغة تعين القسط الذي يعود إلى موريتانيا، والقسط الذي يعود إلى المغرب. لقد كنت، إذن، حاضرا ووافقت من كل قلبي وبدون خلفية»، ثم أضاف: «المشكل، إذن، يهم مسبقا موريتانيا والمغرب. وأقول، إذن، إنني متفق، وإنه ليس هناك أي مشكل». وزاد بومدين في فقرة موالية: «إذا الإخوان الرؤساء وجلالة الملك يكرسون هذه الصيغة من أجل الوفاق بين البلدين، وعلى كل حال من أجل الشروع في التحرير، وتحديد المنطقة التي ستعود إلى المغرب، والمنطقة التي ستعود إلى موريتانيا، سأكون، إذن، من بين أولئك الذين يباركون هذه الصيغة. فليكن ذلك واضحا، لأن هذه النقطة تستلزم الوضوح، وحتى لا يكون هناك مجال لأي غموض، إذ إني متشبث كثيرا، كثيرا بعلاقاتنا مع المغرب، وبعلاقاتنا مع موريتانيا، وبعلاقاتنا مع كل الإخوان جيران الجزائر»، ثم استأنف يقول: «على أخوي وصديقيّ جلالة الملك والرئيس الموريتاني أن يتفهما نوايا الجزائر، وبصفة نهائية في ما يخص هذا المشكل. وأريد أن ننهي هذا الملف بصفة نهائية نحن مع المغرب وموريتانيا في أجل تحرير كل قطعة أرضية، ليس فقط الصحراء الغربية، أو الصحراء الواقعة تحت الاحتلال الإسباني، ولكن أيضا سبتة ومليلية والجزر الواقعة تحت الاحتلال الإسباني»، وختم كلامه حول هذا الموضوع قائلا: «بالنسبة إلي، فقد عملت على رفع كل لبس وكل غموض في ما يخص هذه القضية».
وخلال هذا الخطاب لم يشر الرئيس الجزائري ولو مرة واحدة، لا تصريحا ولا تلميحا، إلى وجود شعب صحراوي يتطلع إلى الاستقلال، ولا إلى وجوب إجراء استفتاء لتقرير مصيره، ولا إلى حركة تدعى «البوليساريو». أليس هذا موقف مطمئن والتزام واضح من أعلى سلطة في الجزائر، وأمام رؤساء الدول العربية؟ من بإمكانه أن يتصور أن ذلك الخطاب، الذي لا يغشى ألفاظه أي لبس أو خلط يمكن أن يكون مجرد خدعة ومناورة؟ لماذا لا تكون نوايا هواري بومدين صادقة بعد إنهاء مشكل الحدود مع المغرب بالصيغة التي ترضيه؟ لقد حصلت الجزائر على ما كانت تسعى إليه: أن يطوي المغرب ملف الحدود معها، ويتنازل لها عن الأراضي التي اقتطعها منه الاستعمار، ويتم تضمين ذلك في معاهدة 1972. لكن الذي حصل، هو نفس ما جرى في السابق: تعرض المغرب لما تعرضت له الضفدعة حين أحسنت إلى العقرب. العقرب لا تجازي من أحسن إليها سوى بلسعه وإفراغ سمها في دمه.
وقبل هذا الخطاب، كان النظام الجزائري يعمل على خلق الشقاق بين المغرب وموريتانيا، ويحول دون حصول أي اتفاق بينهما؛ مارس الضغوط على المختار ولد دادة، رئيس الجمهورية الموريتانية، لثنيه عن التحالف مع المغرب. وقبل هذا الخطاب وبعده، كانت مفاوضات سرية تجري بين النظام الجزائري ونظام الجنرال فرانكو في إسبانيا، أسفرت عن تحالف ثنائي ضد المغرب، وعن اتفاق على الدفاع عن الخطة والأطروحة نفسهما، سواء داخل الأمم المتحدة أو أمام محكمة العدل الدولية، وكذلك كان. الأطروحة التي بنيا عليها مرافعاتهما هي أن الصحراء كانت قبل احتلالها من طرف الاسبان أرضا خلاء، لا سلطة فيها، ولا تربطها أي علاقة مع المغرب.. كان هدفهما واضحا: الحيلولة دون استرجاع المغرب صحراءه، والعمل على اقتطاعها من ترابه لكي يخلقا عليها دويلة ضعيفة.
د كانت إسبانيا تخشى أن يتحول المغرب، إذا استرجع صحراءه، إلى دولة قوية على حدودها الجنوبية، وقرب جزر الخالدات. وكان النظام الجزائري يعول على خلق تلك الدويلة للسيطرة عليها، وجعلها امتدادا للجزائر نحو المحيط الأطلسي حتى تصبح له واجهة أخرى على البحر، واحدة على الأبيض المتوسط والثانية على المحيط الأطلسي. وبالنسبة للنظام الجزائري لا يعقل أن يتوفر المغرب على واجهتين بحريتين تمتدان على أكثر من 3500 كلم، بينما لا تتوفر الجزائر سوى على واجهة واحدة. كانت نوايا حكام الجزائر التوسعية (ومازالت) هي ما يتحكم في سياستها.
وسوف تفتضح تلك النوايا أكثر فأكثر مع مرور الأيام.
في شهر يوليوز عام 1975، زار عبد العزيز بوتفليقة الرباط؛ استقبله الملك الحسن الثاني، وعقد عدة لقاءات وجلسات مع المسؤولين المغاربة حول الصحراء. وإثر كل ذلك، صدر بيان رسمي مغربي جزائري، مؤرخ بيوم 4 يوليوز، أكد على ما جاء في خطاب الرئيس بومدين أمام الرؤساء العرب، وعلى الإشادة بالاتفاق المغربي الموريتاني. وكان من شأن ذلك أن يجعل المغرب وموريتانيا يستنتجان أن نوايا الجزائر في موضوع الصحراء لا تبعث على الخلط، أو التشكيك. وفي وقت أذاعت وسائل الإعلام في المغرب والجزائر وموريتانيا هذا البيان، أخذ ممثل الجزائر الكلمة أمام محكمة العدل الدولية، التي كانت في ذلك الوقت تنظر في ملف الصحراء، وطلب تأجيل تدخله لبضعة أيام حتى يتمكن من التشاور مع حكومته.
الجدير بالتذكير أن المغرب هو الذي طلب من الأمم المتحدة إحالة قضية الصحراء على محكمة العدل الدولية، وانضمت موريتاني إلى ذلك الطلب، قصد تفنيد أطروحة الأرض الخلاء وإبطالها. وبالفعل قضت محكمة لاهاي بأن الصحراء لم تكن أرضا خلاء، وأن سكانها كانت تربطهم بملوك المغرب روابط البيعة.
ولما عاد ممثل الجزائر لاستئناف مرافعته، كان عرضه متناقضا كل التناقض مع خطاب بومدين أمام الرؤساء العرب، ومتعارضا كل التعارض مع البيان الرسمي المشترك المغربي الجزائري. كان الأمر مذهلا ومدهشا، كان بمثابة طعنة تحت الحزام. لما أخذ ممثل الجزائر الكلمة ساند، بكل قوة وحماس، الأطروحة الإسبانية المعادية للمغرب، وعارض بنفس القوة والحماس موقف المغرب، وحججه التاريخية.
وهكذا انهار أمل من كانوا يثقون في التزامات هواري بومدين أمام الرؤساء العرب. لقد افتضحت، مرة أخرى، نوايا حكام الجزائر؛ وجاء تطور الأحداث ليؤكد تجذر مشاعر البغض والكراهية والعداء في نفوسهم تجاه المغرب، وليبرهن أن إصرارهم على معاكسته ومنازعته حقوقه الوطنية يشكل اختيارا إستراتيجيا، لا يخف ولا يضعف مهما تغيرت الأحوال والظروف، ومهما تغيرت القيادات التي تختارها المؤسسة العسكرية لتتوالى على حكم الجزائر، وليكشف مدى تجذر العقدة النفسية تجاه المغرب في أذهان وسلوك الطغمة العسكرية الجزائرية، حتى إنها تعد بلادنا عدوها الأوحد، الذي لا هوادة في محاربته بكل الوسائل، حتى الدنيئة منها.
