انتخابات 23 شتنبر.. ناخب مغربي جديد بين الولاء الحزبي وحسابات المعيشة

انتخابات 23 شتنبر.. ناخب مغربي جديد بين الولاء الحزبي وحسابات المعيشة

 قبل أيام قليلة من انتخابات 23 شتنبر، تجد الأحزاب السياسية المغربية نفسها أمام معادلة انتخابية أكثر تعقيداً من مجرد التنافس على المقاعد وطرح البرامج والشعارات، إذ بات سلوك الناخب محكوماً بمجموعة من الاعتبارات المتداخلة، من بينها الانتماء الحزبي، وحضور المرشح محلياً، وشبكات العلاقات، إلى جانب الأسعار وفرص الشغل والخدمات العمومية والحصيلة الحكومية.

وتكشف معطيات الهيئة الناخبة عن مفارقة لافتة في النقاش حول ما يوصف بـ"الناخب المغربي الجديد". فمن أصل 15 مليوناً و801 ألفاً و162 مسجلاً في اللوائح الانتخابية، لا تمثل الفئة العمرية بين 18 و24 سنة سوى 4 في المائة، مقابل 29 في المائة لمن تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق.

وتطرح هذه الأرقام سؤالاً حول طبيعة الجسم الانتخابي الذي ستتوجه إليه الأحزاب خلال الاستحقاق المقبل، ومدى اختلاف أولوياته عن الصورة التي غالباً ما ترسمها الخطابات السياسية عن الناخب الشاب.

المرشح أم الحزب؟

من بين أكثر الأسئلة التي تواجه الأحزاب مدى تأثير شخصية المرشح مقارنة بالانتماء الحزبي. فانتقال مرشح معروف محلياً من حزب إلى آخر يطرح عملياً سؤالاً حول مصير القاعدة الانتخابية التي كانت ترتبط به: هل تنتقل معه، أم تظل وفية للحزب الذي ترشح باسمه سابقاً؟

وتشير هذه الإشكالية إلى أن التصويت لا يمكن اختزاله دائماً في البرامج السياسية، إذ قد تتداخل معرفة الناخب بالمرشح وحضوره داخل الحي أو الجماعة وشبكة علاقاته وسمعته مع الانتماء الحزبي.

وفي المقابل، سيكون من غير الدقيق اختزال قوة المرشح المحلي أو علاقاته بالسكان في مفهوم الزبونية، لأن القرب من المواطنين والقدرة على الوساطة لا يعنيان بالضرورة شراء الأصوات.

وقد يجد الناخب نفسه أمام خيارات متباينة؛ فيمكن أن يصوت لشخص يثق به رغم تحفظه على حزبه، أو يمنح صوته لحزب رغم عدم اقتناعه الكامل بمرشحه المحلي.

هل يتحول الغضب إلى عقاب انتخابي؟

لا يبدو أن عدم الرضا عن الحكومة أو الأوضاع الاجتماعية يتحول بصورة آلية إلى تصويت عقابي. فارتفاع الأسعار، وفرص الشغل، والصحة، والتعليم، والسكن ومستوى الخدمات، كلها عوامل يمكن أن تدخل في تقييم الناخب للحصيلة الحكومية، لكن القرار النهائي يمر عبر سؤالين أساسيين: من المسؤول، في نظر الناخب، عن الوضع؟ وهل توجد أمامه جهة سياسية بديلة يثق في قدرتها على التغيير؟

ولهذا قد يتخذ ثلاثة ناخبين يشتركون في درجة الاستياء نفسها قرارات انتخابية مختلفة؛ فقد يختار أحدهم المعارضة، ويفضل الثاني عدم التصويت، بينما يمنح الثالث صوته للحزب الموجود في السلطة.

وهنا تواجه المعارضة بدورها تحدياً يتمثل في تحويل السخط الشعبي إلى أصوات، وهو أمر لا يتحقق بمجرد إبراز مكامن الضعف لدى الخصم، بل يحتاج أيضاً إلى تقديم بديل قادر على إقناع الناخب.

الامتناع.. الجانب المجهول من المعادلة

قد تكون المعركة الانتخابية الحقيقية مرتبطة أيضاً بمن سيقرر عدم المشاركة. ففي انتخابات 2021 بلغت نسبة المشاركة الرسمية 50.35 في المائة من المسجلين، ما يعني أن نسبة مهمة من الهيئة الناخبة ظلت خارج صناديق الاقتراع.

غير أن الامتناع لا يحمل بالضرورة معنى واحداً؛ فقد يكون نتيجة رفض للأحزاب، أو غياب بديل مقنع، أو عدم اهتمام، أو عوائق عملية، أو تعبيراً عن احتجاج سياسي صامت.

ومع محدودية وزن الشباب داخل اللوائح الانتخابية، تزداد الأسئلة المطروحة حول طبيعة الناخب الذي ستخاطبه الأحزاب في استحقاق 2026.

والأرجح أن المشهد الانتخابي لا يواجه ناخباً يمكن تصنيفه بسهولة ضمن خانة المؤيد أو المعارض، بل ناخباً قد يجمع بين الولاء الحزبي والاستياء من الوضع، أو يرتبط بمرشح محلي وينتقد حزبه، أو يتأثر بحصيلته الشخصية وبالأوضاع العامة، أو يختار ببساطة عدم التصويت.

وفي هذه المنطقة الرمادية تحديداً، ستختبر الأحزاب قدرتها على معرفة ما الذي يمكن أن يحول موقف الناخب من مجرد قناعة أو استياء إلى قرار فعلي بوضع ورقة الاقتراع داخل الصندوق.