تتجه دائرة تارودانت الشمالية إلى دخول مرحلة انتخابية مختلفة، بعدما بدأت ملامح التنافس على المقاعد البرلمانية الثلاثة تتضح بشكل تدريجي، في مشهد لا يبدو محكوماً فقط بحسابات الأحزاب والمرشحين، وإنما أيضاً بتوازنات محلية دقيقة، وبالطريقة التي ستتعامل بها التنظيمات مع منتخبيها وفاعليها على الأرض.
فالمنافسة المرتقبة تبدو مفتوحة على أكثر من واجهة؛ إذ تتقاطع فيها قوة التنظيم الحزبي مع الحضور الجماعي، وتدخل الحصيلة التدبيرية والبرلمانية في صلب الخطاب الانتخابي، فيما تكتسب بعض الجماعات الترابية أهمية خاصة باعتبارها خزانات انتخابية يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في موازين القوى.
لوائح الأحزاب.. حين يتحول الترتيب إلى رسالة سياسية
ومن أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها النقاش الدائر حول ترتيب بعض اللوائح، خاصة داخل حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
فالمعطيات المتداولة محلياً بشأن عدم وضع رئيس جماعة أولوز في مركز الوصافة ضمن لائحة الأحرار، إن تأكدت بصيغتها المتداولة، تتجاوز في دلالتها مجرد ترتيب داخلي للأسماء، بالنظر إلى الوزن الذي يمكن أن يحمله منتخب جماعي داخل دائرة انتخابية واسعة ومتعددة التوازنات.
فالوصافة في مثل هذه الدوائر ليست موقعاً شكلياً، بل يمكن أن تكون مؤشراً على حجم الثقة التنظيمية والسياسية التي يمنحها الحزب لأحد أعضائه، كما قد تؤثر في مستوى التعبئة التي يحتاجها التنظيم خلال الحملة الانتخابية.
وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة نفسها: إلى أي حد أصبحت القرارات التنظيمية المركزية أكثر حضوراً في صناعة اللوائح؟ وهل تتقدم الاعتبارات الحزبية والتنظيمية على حساب الوزن الانتخابي المحلي؟ ثم هل تستطيع الأحزاب الحفاظ على تعبئة موحدة عندما يشعر بعض الفاعلين المحليين بأن ترتيبهم لم يعكس حجم حضورهم الميداني؟
هذه الأسئلة لا تخص حزباً بعينه، بل تظل جزءاً من طبيعة الانتخابات المغربية، حيث يمكن لترتيب الأسماء أن يحمل رسائل متعددة إلى الناخبين والمنتخبين معاً.
عبد العزيز البهجة.. من قوة أولاد برحيل إلى اختبار الدائرة
في المقابل، يدخل عبد العزيز البهجة، مرشح حزب الاستقلال، السباق الانتخابي من موقع مختلف، مستفيداً من تجربة تجمع بين العمل الجماعي والحضور البرلماني.
ويرأس البهجة جماعة أولاد برحيل، وهي جماعة ذات وزن سياسي وانتخابي مهم في شمال إقليم تارودانت، كما ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بعدد من الملفات ذات الصلة بالشأن المحلي، وهو ما يمنحه إمكانية بناء خطاب انتخابي يستند إلى الحصيلة والترافع عن القضايا المجالية.
وتكتسب هذه الورقة أهمية أكبر بالنظر إلى الحضور الذي حققه حزب الاستقلال داخل أولاد برحيل خلال الاستحقاقات الجماعية السابقة، وهو ما يوفر للبهجة قاعدة انتخابية محلية يمكن أن تشكل نقطة انطلاق مهمة.
كما أن الملفات المرتبطة بالبنيات الصحية، والتغطية الهاتفية وخدمات الإنترنت، فضلاً عن المطالب التنموية المتعلقة بأولاد برحيل، يمكن أن تشكل عناصر أساسية في خطابه الانتخابي، خصوصاً إذا نجح في تقديمها باعتبارها قضايا اشتغل عليها داخل المؤسسات المنتخبة.
غير أن الرهان الأكبر بالنسبة إليه لن يكون داخل أولاد برحيل فقط.
فالفوز بمقعد في دائرة تضم مجالات واسعة ومتنوعة يفرض الانتقال من منطق المعقل الانتخابي إلى منطق الامتداد الجغرافي. وسيكون البهجة مطالباً بإثبات قدرته على بناء حضور يتجاوز أولاد برحيل نحو أولوز وتالوين وتنزرت وباقي الجماعات.
وهنا سيظهر الفرق بين مرشح قوي داخل جماعته ومرشح قادر على المنافسة على مستوى الدائرة بأكملها.
وهبي.. قوة الاسم الوطني أمام امتحان المحلية
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيبدو أنه يراهن على ورقة ذات وزن سياسي وطني، من خلال عودة عبد اللطيف وهبي إلى واجهة المنافسة الانتخابية بتارودانت الشمالية.
وهبي ليس اسماً انتخابياً عادياً؛ فهو قيادي حزبي بارز ووزير للعدل، كما سبق أن ارتبط اسمه بهذه الدائرة، وهو ما يجعل عودته تحمل أكثر من دلالة سياسية.
لكن الوزن الوطني للمرشح لا يلغي طبيعة المعركة المحلية.
فالمعطيات المتداولة بشأن عدم استمرار الحسين بورحيم في موقع الوصافة، رغم تجربته الجماعية والتنظيمية وحضوره داخل حزب الأصالة والمعاصرة، تفتح بدورها نقاشاً حول العلاقة بين القرار التنظيمي المركزي والشبكات الانتخابية المحلية.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بمن سيكون في المرتبة الثانية، وإنما بمدى قدرة الحزب على الحفاظ على شبكة الفاعلين والمنتخبين التي يحتاجها أي مرشح لخوض انتخابات على مستوى دائرة واسعة.
فالحضور الوطني يمكن أن يمنح المرشح قوة إعلامية وسياسية، لكنه لا يضمن وحده الوصول إلى كل الدواوير والجماعات والأسواق والكتل الانتخابية.
وفي الدوائر ذات الطبيعة القروية والجبلية، تظل العلاقات المحلية والامتداد الميداني وقدرة التنظيم على التعبئة عوامل لا تقل أهمية عن شهرة المرشح.
السعدي.. الدفاع عن المقعد بلغة الحصيلة
التجمع الوطني للأحرار بدوره يخوض الانتخابات المقبلة من موقع مختلف، مستفيداً من وجوده في الحكومة ومن شبكة تنظيمية وانتخابية تمتد عبر عدد من مناطق الدائرة.
ويشكل ترشيح لحسن السعدي إحدى أبرز أوراق الحزب، بالنظر إلى تجربته البرلمانية السابقة ومعرفته بتفاصيل الدائرة الانتخابية.
غير أن التحدي الذي يواجه السعدي لن يكون بسيطاً، لأن الدفاع عن المقعد البرلماني يفرض تقديم إجابة واضحة عن سؤال الحصيلة.
وسيحاول الأحرار إبراز ما يعتبره الحزب منجزات حكومية ومشاريع وسياسات عمومية، بينما سيعمل المنافسون على مساءلة هذه الحصيلة ومقارنتها بما تحقق فعلياً على المستوى المحلي.
وهنا ينبغي التمييز بين تقييم سياسي للحصيلة وبين حقيقة موضوعية قابلة للحسم؛ فالحديث عن كون حصيلة السعدي «متواضعة» يظل في نهاية المطاف حكماً سياسياً وانتخابياً، بينما تبقى المؤشرات الفعلية المتعلقة بالأسئلة البرلمانية والمبادرات والترافع عن الملفات قابلة للرصد والمقارنة.
لكن العامل الحاسم قد يكون شيئاً آخر: كيف ينظر الناخب إلى هذه الحصيلة؟
فما يظهر في الوثائق البرلمانية ليس بالضرورة هو نفسه ما يترسخ في وعي المواطن، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات يومية مرتبطة بالصحة والماء والطرق والتغطية والفرص الاقتصادية والخدمات العمومية.
ثلاثة مرشحين.. وثلاثة مصادر للقوة
المثير في المشهد الحالي أن أبرز الأسماء المتنافسة تبدو وكأنها تنطلق من مصادر مختلفة للقوة.
السعدي يراهن على الحزب والحكومة والتنظيم والحصيلة البرلمانية.
وهبي يستند إلى الزعامة السياسية والوزن الوطني والتجربة السابقة داخل الدائرة.
أما البهجة، فيراهن على الحضور الجماعي والعمل الميداني والامتداد المحلي والحصيلة المؤسساتية.
وهكذا تصبح الانتخابات مواجهة بين ثلاثة أنماط من الشرعية السياسية: شرعية الحزب والحكومة، وشرعية القيادة الوطنية، وشرعية القرب والعمل المحلي.
ويبقى السؤال: أي واحدة من هذه الشرعيات ستكون أكثر إقناعاً للناخب؟
أولاد برحيل وأولوز وتالوين.. مفاتيح المعركة
لا يمكن فهم انتخابات تارودانت الشمالية بعيداً عن الخريطة الجغرافية والسياسية للجماعات المكونة للدائرة.
فأولاد برحيل تمثل مجالاً انتخابياً مهماً بالنسبة إلى حزب الاستقلال والبهجة، بينما تكتسب أولوز أهمية خاصة في حسابات التجمع الوطني للأحرار، في حين تظل تالوين وتنزرت وباقي المناطق القروية والجبلية ساحات مفتوحة أمام مختلف المتنافسين.
وبالتالي، لن يكون امتلاك قاعدة قوية في جماعة واحدة كافياً بالضرورة لحسم المقعد.
فالرهان الحقيقي هو القدرة على تحويل هذه القواعد المحلية إلى شبكة واسعة من الأصوات، وهو ما يتطلب تنظيماً قوياً، ومرشحين قادرين على التواصل، وفاعلين محليين مستعدين للتعبئة، فضلاً عن خطاب يستطيع مخاطبة اختلاف الأولويات بين جماعة وأخرى.
المقعد الثالث.. مساحة المفاجآت
وإذا كان الصراع على صدارة الدائرة قد يبدو، نظرياً، أكثر وضوحاً بين الأسماء الكبرى، فإن المقعد الثالث قد يكون الأكثر قابلية للمفاجأة.
ففي حالة تقارب النتائج بين القوى الرئيسية، يمكن لتشتت الأصوات أو انخفاض نسبة التعبئة داخل إحدى القواعد الانتخابية أن يغير ترتيب النتائج بشكل كبير.
وهنا يمكن للأحزاب الأقل حضوراً في استطلاعات التوقعات أن تجد لنفسها فرصة حقيقية، خصوصاً إذا تمكنت من استقطاب أصوات احتجاجية أو مستاءة من أداء القوى التقليدية.
فالانتخابات لا تُحسم دائماً وفق حجم الحزب على المستوى الوطني، وإنما وفق قدرته على تحويل حضوره السياسي إلى أصوات فعلية داخل الدائرة.
الوصافة.. تفصيل صغير قد يخفي رهانات كبيرة
ومن هذه الزاوية، تكتسب مسألة ترتيب اللوائح أهمية خاصة.
فإبعاد فاعل محلي من موقع متقدم لا يعني بالضرورة حدوث أزمة داخل الحزب، كما أن بقاءه في التنظيم لا يعني تلقائياً استمرار درجة التعبئة نفسها.
وقد لا يظهر أي خلاف إلى العلن، لكن الانتخابات تحتاج إلى تعبئة يومية ومستمرة، وأي فتور داخل شبكة من الشبكات الانتخابية يمكن أن تكون له كلفة عندما تكون الفوارق بين المرشحين محدودة.
لذلك، فإن إدارة الأحزاب لمرحلة ما قبل الحملة قد تكون أحياناً أهم من الحملة نفسها.
الخلاصة.. من يملك المعادلة الكاملة؟
تارودانت الشمالية مقبلة، وفق المعطيات الحالية، على انتخابات يصعب اختزالها في صراع بين ثلاثة أسماء أو ثلاثة أحزاب.
الأحرار مطالبون بتحويل موقعهم الحكومي وشبكتهم التنظيمية إلى تعبئة انتخابية متماسكة.
والأصالة والمعاصرة سيكون أمام اختبار تحويل الوزن السياسي لعبد اللطيف وهبي إلى امتداد انتخابي فعلي داخل مختلف مناطق الدائرة.
أما حزب الاستقلال، فسيكون مطالباً بتحويل قوة عبد العزيز البهجة داخل أولاد برحيل إلى حضور انتخابي أوسع يمتد إلى باقي الجماعات.
وفي النهاية، قد لا يكون المرشح الأكثر شهرة هو بالضرورة صاحب الحظ الأوفر، كما أن أقوى قاعدة محلية لا تكفي وحدها لضمان المقعد.
المعادلة الأكثر تعقيداً ستكون في الجمع بين الاسم، والتنظيم، والحصيلة، والامتداد الجغرافي.
ومن يستطيع جمع هذه العناصر وتحويلها إلى أصوات يوم الاقتراع، هو من سيكون الأقرب إلى انتزاع أحد المقاعد الثلاثة في تارودانت الشمالية.
