أكادير بريس.. الخبر من سوس ماسة أولاً
AGADIRPRESS.COM
ميزانية جهة سوس ماسة تحت المجهر.. 931 مليون درهم وأسئلة حول الأولويات والنفقات
تكشف المعطيات الواردة في الوثائق المرتبطة بجدول أعمال دورة أكتوبر لمجلس جهة سوس ماسة، المقرر عقدها يوم 5 أكتوبر بمدينة تارودانت، عن مجموعة من الأرقام والاعتمادات المالية التي تفتح نقاشاً واسعاً حول ترتيب الأولويات ونجاعة الإنفاق وحسن تدبير المال العام.
وتأتي هذه الدورة في مرحلة سياسية وانتخابية دقيقة، وفي وقت لم يعد يفصل عن نهاية الولاية الحالية سوى نحو سنة، ما يجعل مشروع ميزانية 2027 وغيره من المشاريع والاتفاقيات المدرجة على جدول الأعمال موضع اهتمام، ليس فقط من زاوية قانونية، وإنما أيضاً من حيث الجدوى والتوقيت والنتائج المنتظرة.
وتقترح وثائق مشروع ميزانية 2027 مداخيل إجمالية تناهز 931.13 مليون درهم، من بينها حوالي 860 مليون درهم عبارة عن تحويلات من الدولة، مقابل 71.13 مليون درهم فقط من المداخيل الذاتية.
وهذه الأرقام تعيد إلى الواجهة سؤال قدرة الجهة على تطوير مواردها الذاتية وتقليص اعتمادها الكبير على التحويلات، خصوصاً أن تقديرات المداخيل الذاتية لا تعرف، وفق الوثائق، تطوراً كبيراً مقارنة بالسنة السابقة.
3.54 ملايين درهم لتعويضات وتنقلات المنتخبين
ومن بين الاعتمادات التي تستحق التوقف عندها تلك المرتبطة مباشرة بأنشطة أعضاء مجلس الجهة.
وتتضمن وثائق مشروع ميزانية 2027 مبلغ 2.748 مليون درهم لتعويضات الرئيس ونائبي الرئيس والمستشارين، إلى جانب اعتمادات مخصصة لمصاريف التنقل والمهام والتأمين.
وتشمل هذه الاعتمادات 200 ألف درهم لمصاريف نقل الرئيس والمستشارين داخل المملكة، و100 ألف درهم لمصاريف تنقلهم بالخارج، إضافة إلى 150 ألف درهم لمصاريف تنقل الرئيس والمستشارين داخل المملكة، و300 ألف درهم لمصاريف المهمة بالخارج، فضلاً عن 45 ألف درهم لتأمين الأعضاء.
وبجمع هذه البنود، تصل الاعتمادات المذكورة إلى حوالي 3.543 مليون درهم، أي ما يزيد عن 354 مليون سنتيم، وذلك قبل احتساب باقي النفقات المرتبطة بأنشطة المجلس والندوات والملتقيات والإيواء والإطعام والتنقل.
ولا يتعلق الأمر هنا بالطعن في قانونية هذه التعويضات أو مصاريف المهام والتنقل، ما دامت مرصودة ضمن الميزانية وفق المساطر المعمول بها، وإنما بطرح سؤال يتعلق بالشفافية والنجاعة وحجم الكلفة.
فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعة المهام والسفريات التي يتحمل المجلس تكاليفها، والنتائج التي تحققت منها، خصوصاً عندما تتضمن الميزانية اعتمادات إضافية لتنظيم أنشطة وملتقيات وندوات وما يرتبط بها من إقامة وإطعام وتنقل.
71 مليون درهم فقط من الموارد الذاتية
وتبرز الأرقام المتعلقة بالمداخيل الذاتية بدورها نقطة تستحق النقاش.
فوفق الوثائق، انتقلت تقديرات المداخيل الذاتية من حوالي 70.93 مليون درهم سنة 2026 إلى 71.13 مليون درهم سنة 2027، أي بزيادة محدودة، رغم تعدد الموارد التي يفترض أن تساهم في تعزيز مداخيل الجهة.
وتشمل هذه الموارد، بحسب المعطيات الواردة في الوثائق، رسوماً مرتبطة ببعض الخدمات والرخص واستغلال المعادن والموارد والخدمات المقدمة للموانئ واستخراج مواد المقالع، إضافة إلى فوائد الأموال المودعة بالخزينة وغيرها.
ومن بين الأرقام اللافتة تقدير 7 ملايين درهم برسم فوائد الأموال المودعة بالخزينة لسنة 2027، في حين تشير الوثيقة إلى أن المحصل إلى غاية 4 شتنبر 2026 بلغ صفراً، مقابل أكثر من 12.1 مليون درهم سنة 2025.
وهنا يبرز سؤال مالي مشروع حول الأساس الذي بني عليه تقدير 7 ملايين درهم، والفرضيات المعتمدة للوصول إلى هذا الرقم، خاصة في ظل الفارق بين التقدير والتحصيل المسجل خلال السنة الجارية.
900 ألف درهم لكراء بنايات إدارية
ومن بين الاعتمادات التي تستدعي بدورها مزيداً من التوضيح تخصيص 900 ألف درهم في مشروع ميزانية 2027 لـ«اكتراء بنايات إدارية»، في وقت تتوفر فيه الجهة على مقرين.
ولا يعني تخصيص هذا الاعتماد، في حد ذاته، وجود مخالفة أو إنفاق غير مبرر، إذ قد تكون هناك حاجيات إدارية أو وظيفية تستدعي اللجوء إلى كراء بنايات إضافية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بطبيعة هذه البنايات، والحاجة الفعلية إليها، ومدى كفاية المقرات المتوفرة، فضلاً عن الكلفة الإجمالية لهذا الخيار.
ويضاف إلى ذلك تخصيص 5 ملايين درهم للصيانة والمحافظة على البنايات الإدارية، إلى جانب مصاريف أخرى مرتبطة بالتجهيز واللوجستيك والتنقل والآليات.
27 مليون درهم لاستكمال مقر الجهة
وفي الوقت الذي تتضمن فيه الميزانية اعتمادات للكراء والصيانة، تشير وثائق الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى تخصيص 27 مليون درهم برسم تجهيز 2026 لفائدة استكمال أشغال بناء مقر الجهة، بما في ذلك قاعة الدورات.
ويطرح هذا الرقم بدوره أسئلة حول الكلفة الإجمالية للمقر، وما تم صرفه أو الالتزام به إلى حدود الآن، وما تبقى لاستكمال الأشغال والتجهيز.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة عند مقارنتها بالاعتمادات الأخرى المخصصة للبنايات الإدارية، في إطار نقاش أوسع حول ترشيد النفقات وترتيب المشاريع وفق الأولويات.
منصة رقمية بـ240 مليون سنتيم.. ما القيمة المضافة؟
ومن بين المشاريع المدرجة أيضاً اتفاقية لإنجاز ومواكبة تنزيل منصة رقمية لتتبع مشاريع برنامج التنمية الجهوية وتدبير الاتفاقيات بجهة سوس ماسة، بغلاف مالي يناهز 240 مليون سنتيم.
ولا خلاف من حيث المبدأ حول أهمية الرقمنة وتحسين تتبع المشاريع، لكن طبيعة المشروع وتكلفته تطرحان سؤالين أساسيين: ما القيمة المضافة التي ستقدمها المنصة؟ وهل توجد أدوات أو منصات قائمة يمكن تطويرها بدل إحداث منظومة جديدة بهذه الكلفة؟
كما يطرح توقيت المشروع نفسه للنقاش، باعتبار أن الولاية الحالية تقترب من نهايتها، وأن الأولوية بالنسبة إلى المواطن تظل مرتبطة أساساً بمعرفة مآل المشاريع المبرمجة، ونسب إنجازها، وكلفتها، وأسباب التأخر في المشاريع المتعثرة.
لذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بكلفة المنصة، وإنما أيضاً بمدى قدرتها الفعلية على تعزيز الشفافية وتحسين تتبع المشاريع وتقديم معطيات قابلة للقياس للرأي العام.
55 مليون درهم مرتبطة بالوكالة.. أين تقف الحصيلة؟
وتشير الوثائق المتعلقة بالوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى رقم إجمالي يصل إلى 55 مليون درهم، منها 27 مليون درهم مرتبطة بتجهيز مقر الجهة برسم 2026، و28 مليون درهم مقترحة سنة 2027 للمصاريف المتعلقة بالموارد البشرية واللوجستيك للوكالة.
ومع هذا الحجم من الاعتمادات، يصبح تقييم الحصيلة أمراً أساسياً.
فالسؤال لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الميزانية المرصودة، وإنما يمتد إلى عدد المشاريع التي أشرفت الوكالة على تنفيذها، ونسب تقدمها، وحجم المشاريع التي دخلت حيز التنفيذ فعلياً مقارنة بالاعتمادات المخصصة لها.
فالنجاعة في تدبير المال العام لا تقاس فقط بحجم الإنفاق، وإنما بما يتحقق مقابله على أرض الواقع.
ملايين أخرى للكراء والصيانة والتنقل والملتقيات
وتتضمن الوثائق كذلك اعتمادات أخرى تستحق أن توضع ضمن ميزان الأولويات، من بينها 5.5 ملايين درهم لكراء آليات النقل وآليات أخرى، و5 ملايين درهم للصيانة والمحافظة على البنايات الإدارية، و3 ملايين درهم للوازم المكتب والورق والطباعة والمطبوعات.
كما تشمل الاعتمادات 1.5 مليون درهم للدراسات والأبحاث والاستشارات القانونية، و2.9 مليون درهم للإعلانات القانونية والإدراجات ومصاريف النشر، فضلاً عن مصاريف التنقل والوقود وإصلاح السيارات والتأمين.
وتظهر كذلك اعتمادات مرتبطة بتنظيم الندوات والمناظرات والتداريب، من بينها 2.3 مليون درهم لبعض بنود التنظيم، و2.3 مليون درهم لبنود مرتبطة بالإيواء والإطعام، ومليون درهم لتنظيم الندوات والمناظرات والتداريب المرتبطة بمصاريف التنقل.
ولا تعني هذه الأرقام، منفردة، وجود إنفاق غير قانوني، لكنها تجعل سؤال الأولويات والنتائج المنتظرة من كل اعتماد سؤالاً مشروعاً أمام أعضاء المجلس والرأي العام.
التصويت على الميزانية مسؤولية وليس إجراءً شكلياً
وتضع هذه المعطيات أعضاء مجلس جهة سوس ماسة أمام مسؤولية سياسية وتدبيرية، باعتبار أن التصويت على الميزانية والاعتمادات والاتفاقيات لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء شكلي.
فكل عضو يصوت على نقطة من المفترض أن يكون قد اطلع على مضامينها، وفهم كلفتها وأهدافها ومبرراتها والنتائج المنتظرة منها.
وفي حال وجود نقط تحتاج إلى مزيد من التوضيح أو معطيات إضافية قبل اتخاذ القرار، فإن طلب التوضيحات والتدقيق في الوثائق يدخل في صميم المسؤولية الملقاة على أعضاء المجلس.
كما أن المسؤولية لا ترتبط برئاسة المجلس وحدها، بل تشمل مختلف الأعضاء المشاركين في اتخاذ القرار، باعتبار أن المال العام ليس ملكاً للمجلس أو لرئيسه أو لأعضائه، وإنما موارد عمومية يفترض أن تخضع قرارات صرفها لأعلى درجات الوضوح والنجاعة.
بعد الانتخابات.. هل يتحول ترشيد المال العام إلى ممارسة؟
وبعد انتهاء الاستحقاقات التشريعية، يعود النقاش حول تدبير المال العام إلى الواجهة بعيداً عن الخطابات الانتخابية.
فالمطلوب في نهاية المطاف ليس فقط الإعلان عن ترشيد النفقات ومحاربة الهدر، وإنما ترجمة ذلك عملياً داخل مشروع الميزانية نفسه، بدءاً من تنمية الموارد الذاتية ووصولاً إلى تحديد أوجه الإنفاق وفق الحاجيات والأولويات.
وتكشف أرقام مشروع ميزانية 2027 عن استمرار الاعتماد الكبير على تحويلات الدولة، مقابل محدودية الموارد الذاتية، بالتوازي مع اعتمادات مهمة للكراء والصيانة والتنقل والملتقيات والتجهيز والرقمنة.
وهذه المعطيات تستحق أن تكون موضوع نقاش علني وشفاف داخل دورة المجلس، ليس بهدف التشكيك المسبق في قانونية النفقات، وإنما من أجل معرفة مبرراتها، وقياس نجاعتها، وربطها بالنتائج التي يفترض أن تحققها لفائدة الجهة وساكنتها.
وفي النهاية، فإن الوثائق المعروضة على دورة أكتوبر لا تضع أمام أعضاء مجلس جهة سوس ماسة مجرد أرقام للمصادقة، وإنما تفتح نقاشاً أوسع حول الأولوية والنجاعة والحصيلة ومسؤولية القرار.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحالية، يصبح من المشروع أن يطالب الرأي العام بحصيلة واضحة: ماذا أنجزت الجهة؟ كم أنفقت؟ أين ذهبت الاعتمادات؟ وما النتائج التي تحققت مقابلها؟
فالتصويت على الميزانية ليس نهاية النقاش، بل بداية لمسؤولية تدبيرية وسياسية تستمر إلى حين تقديم الحصيلة أمام المواطنين.
