بعد أسابيع قليلة من نهاية صيف 2026، بدأت مؤشرات المياه الجوفية بالمغرب تكشف حدود الانتعاش الذي أعقب التساقطات الاستثنائية التي عرفها فصل الشتاء، إذ سرعان ما عادت أجزاء من الفرشات المائية إلى تسجيل مؤشرات تراجع، رغم التحسن الكبير الذي عرفته حقينة السدود.
وبلغت نسبة ملء السدود نحو 67,5 في المائة من طاقتها نهاية غشت، بما يعادل حوالي 11,51 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل أكثر من ضعف المخزون المسجل خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. غير أن هذا التحسن لم ينعكس بالوتيرة نفسها على المياه الجوفية، التي بدأت مؤشرات وضعيتها في التراجع مجددا.
وحتى يوم 7 شتنبر، ظلت نسبة ملء السدود في حدود 67,1 في المائة، ما يؤكد استمرار الوضع المائي الإيجابي نسبيا على مستوى الموارد السطحية، مقابل استمرار الضغوط على المخزون الجوفي الذي يمثل أحد أهم الاحتياطات الاستراتيجية للمملكة.
من انتعاش الشتاء إلى تراجع الصيف
في شمال المملكة، برزت مؤشرات التراجع بشكل واضح، خصوصا على مستوى منطقة اللوكوس، التي انتقل مؤشر المياه الجوفية فيها من مستوى اقترب من 100 خلال ذروة الانتعاش إلى حوالي 50 مع نهاية غشت.
أما المناطق الزراعية المحيطة بمولاي بوسلهام وسوق الأربعاء، فقد تراجع المؤشر فيها إلى حدود 30، فيما سجلت مناطق أخرى حول طنجة وتطوان وشفشاون مستويات تعكس عودة مظاهر الجفاف، بعد تحسن ملحوظ خلال فصل الشتاء.
ولا تبدو الصورة مختلفة كثيرا في وسط المملكة، إذ بدأ التراجع في مراكش منذ شهر ماي، بينما شهدت الفترة الممتدة بين 20 و27 يوليوز الانخفاض الأكثر حدة، قبل أن تنتقل المنطقة إلى وضع أصبح أدنى من المعدل المعتاد.
في المقابل، حافظت سطات على مستويات أقرب إلى الوضع الطبيعي، فيما ظلت الدار البيضاء في وضع أفضل نسبيا. إلا أن المعطيات طويلة الأمد تشير إلى أن التخزين المائي الإجمالي بجهة الدار البيضاء-سطات لا يزال دون متوسطه المرجعي، رغم التحسن المسجل خلال الفترة الأخيرة.
سوس.. تحسن مؤقت لا يمحو سنوات الاستنزاف
في منطقة سوس، تتضح بشكل أكبر العلاقة المعقدة بين التساقطات والموارد الجوفية، خصوصا في ظل النشاط الزراعي المكثف والضغط المتواصل على أحد الأحواض المائية الأكثر هشاشة.
وحول أكادير، اقترب مؤشر المياه الجوفية من مستوى 90 خلال ذروة الانتعاش، قبل أن يبدأ في التراجع منذ شهر ماي. أما في تارودانت، فكان الانخفاض الصيفي أسرع، رغم بقاء الوضع مؤقتا قريبا من المعدلات المعتادة.
لكن القراءة بعيدة المدى تكشف أن التحسن الموسمي لا يعني بالضرورة استعادة المخزون الذي فقد خلال سنوات الجفاف، إذ ظلت مؤشرات التخزين المائي الإجمالي في سوس ضمن المنطقة السلبية بشكل متواصل منذ نهاية سنة 2015.
وتكشف هذه المعطيات أن أمطار موسم واحد استطاعت تحسين الوضع الآني، لكنها لم تكن كافية لتعويض الاستنزاف المتراكم خلال سنوات سابقة.
أربعة مليارات متر مكعب مقابل استهلاك يصل إلى ستة مليارات
وتزداد حساسية الوضع عند مقارنة الموارد الجوفية القابلة للتجدد بحجم الاستعمالات المسجلة خلال سنوات الضغط.
فالمياه الجوفية القابلة للتجدد تقدر بحوالي 4 مليارات متر مكعب سنويا، في حين تراوحت الاستعمالات خلال سنوات الضغط بين 5 و6 مليارات متر مكعب سنويا.
وتعني هذه الفجوة أن جزءا من المياه المستعملة لا يأتي من التجدد السنوي للفرشات، وإنما من المخزون المتراكم داخلها، وهو ما يفسر صعوبة استعادة التوازن بمجرد تحسن التساقطات لموسم واحد.
الحرارة والزراعة.. عوامل ضمن معادلة أكثر تعقيدا
شهد صيف 2026 موجات حر قوية، إذ بلغت درجات الحرارة القصوى 39,4 درجة مئوية في آسفي، و36,7 درجة في الدار البيضاء، و35,9 درجة في طنجة.
ومن الطبيعي أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة التبخر ورفع الطلب على مياه الري، غير أن المعطيات المتاحة لا تسمح بتحديد حصة كل عامل بشكل منفصل، كما لا تتيح تحميل الضخ الزراعي وحده مسؤولية التراجع المسجل في جميع المناطق.
كما أن المؤشرات المعتمدة على بيانات الأقمار الصناعية والنماذج المائية لا تقيس بشكل مباشر كمية المياه الموجودة داخل الفرشة، وإنما ترصد مستوى الرطوبة أو الجفاف مقارنة بالسجل التاريخي.
ولهذا تظل القياسات الميدانية لمستويات المياه داخل الآبار ضرورية لتأكيد الاتجاهات التي ترصدها البيانات الفضائية والنماذج المائية.
هل تكفي التحلية لتخفيف الضغط؟
رغم توسع مشاريع تحلية مياه البحر بهدف تخفيف الضغط عن الموارد الجوفية، فإن المعطيات الحالية تطرح سؤالا أوسع من مجرد انتظار موسم مطير جديد.
فالمغرب تمكن، بعد شتاء استثنائي، من تحسين وضعية السدود بشكل واضح، لكنه لم ينجح بعد في تجاوز أزمة الفرشات المائية التي تراكمت آثارها على مدى سنوات.
ويبقى التحدي الأساسي هو تحقيق توازن بين حجم السحب من باطن الأرض وقدرة الفرشات على التجدد، بما يحول دون انتقال العجز المؤقت إلى استنزاف مزمن يصعب تعويضه.
