تارودانت والانتخابات.. هل تكفي البرامج أم حان وقت إعادة التفكير في التنظيم الترابي؟

تارودانت والانتخابات.. هل تكفي البرامج أم حان وقت إعادة التفكير في التنظيم الترابي؟

 تارودانت بريس 24 – متابعة

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تابع الرأي العام بإقليم تارودانت مجموعة من التدخلات والبرامج التي قدمتها الأحزاب والفعاليات السياسية، والتي تضمنت وعوداً ومقترحات في مجالات التنمية والطرق والصحة والتعليم والماء والاستثمار وغيرها من الملفات التي ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للساكنة.

لكن النقاش حول هذه البرامج لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الشعارات والوعود، بل يفترض أن ينتقل إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن تنفيذ هذه الالتزامات على أرض الواقع داخل إقليم شاسع ومتعدد المجالات والحاجيات؟

فإقليم تارودانت يضم 89 جماعة ترابية، لكل واحدة منها خصوصياتها ومشاكلها وأولوياتها، وهو ما يجعل تنزيل برنامج انتخابي موحد ومتكامل تحدياً يحتاج إلى إمكانيات مالية وبشرية مهمة، فضلاً عن رؤية واضحة لترتيب الأولويات وتوزيع المشاريع والاستثمارات.

والإشكال، في الواقع، لا يرتبط فقط بمدى قدرة أي حزب أو منتخب على إعداد برنامج يتضمن عدداً كبيراً من المشاريع، وإنما بمدى واقعية تلك المشاريع، ومصادر تمويلها، والجهات التي ستتكلف بتنفيذها، والآجال المحددة لذلك، ثم آليات تتبعها وتقييم نتائجها.

فحين يتعلق الأمر بمجال ترابي واسع، ومتفاوت من حيث البنيات التحتية والحاجيات والإمكانات، يصبح من حق المواطن أن يسأل عن كيفية ضمان توزيع عادل ومتوازن للاستثمارات، وعن قدرة منظومة التدبير الترابي الحالية على الاستجابة لمختلف الانتظارات في آجال معقولة.

ومن هنا، يبدو أن النقاش الانتخابي بإقليم تارودانت يحتاج إلى توسيع زاوية النظر، بحيث لا يظل محصوراً في الأشخاص والانتماءات الحزبية، وإنما يمتد إلى مستقبل التنظيم الترابي نفسه.

وفي هذا الإطار، يمكن أن يطرح موضوع إمكانية إحداث إقليم أو إقليمين جديدين للنقاش العمومي، لكن ليس باعتباره شعاراً انتخابياً أو قراراً جاهزاً، وإنما كفكرة تحتاج إلى دراسة مؤسساتية ومجالية وديموغرافية واقتصادية دقيقة، تحدد مدى جدواها وتأثيرها المحتمل على تقريب الإدارة والخدمات من المواطنين وتحسين توزيع الاستثمارات.

كما أن النقاش الجدي يقتضي طرح مجموعة من الأسئلة على مختلف المرشحين والمتدخلين: ما حجم الموارد المالية المتوفرة لتنفيذ المشاريع المقترحة؟ ما الأولويات التي سيتم اعتمادها؟ ما الآجال المحددة للإنجاز؟ وكيف سيتم قياس النتائج؟ ومن سيتحمل المسؤولية في حال عدم تنفيذ الالتزامات المعلنة؟

فالانتخابات ليست فقط مناسبة لتقديم البرامج، وإنما تشكل أيضاً فرصة لفتح نقاش عمومي حول مستقبل الإقليم وطريقة تدبير مجاله وثرواته ومشاريعه.

وإذا كان إقليم تارودانت يضم 89 جماعة ترابية، فإن اتساع المجال وتنوع الحاجيات يفرضان، على الأقل، فتح نقاش مؤسساتي حول ما إذا كان النموذج الحالي للتدبير الترابي قادراً على مواكبة هذه التحولات، أم أن الأمر يستدعي التفكير في صيغ أخرى، من بينها إعادة النظر في التقسيم الترابي، إذا أثبتت الدراسات المتخصصة جدوى ذلك.

وفي النهاية، فإن الساكنة لا تحتاج فقط إلى برامج انتخابية جميلة على الورق، بل إلى موارد واضحة، وأولويات محددة، وآجال معلنة، وآليات للتتبع والمحاسبة.

فالاختبار الحقيقي لأي برنامج انتخابي ليس حجم المشاريع التي يتضمنها، وإنما مدى واقعية الالتزامات وقدرتها على الانتقال من الورق إلى أرض الواقع.